قلت فغساسة « 490 » ، قال فريسة وأكيلة ، وحشف وسوء كيلة ، إلا أنها مرسى مطروق ، بكل ما يروق ، ومرفأ جارية بحريّة ، ومحطّ جباية تجريّة .
ثم لما وصل إلى هذا الحد ، نظر إلى حاج السوق قد أفاض ، ومزاده أعمل فيه الانفاض ، وعلوّ الأصوات به قد صار إلى الانخفاض . فقال وجب اعتناء بالرحيل واهتمام ، وكل شيء إلى تمام . ومددت يدي إلى الوعاء فخرقته ، وإلى العين فأرّقته ، وقلت له لأحكّمنّك من كرام بني الأصفر ، في العدد الأوفر ، مائلة في اللباس المزعفر . فلمّا خضب كفّيه بحنّائها ، وحصلت النفس على استغنائها ، استدناني ، وشبّك بنانه ببناني ، وقال لا حبط عملك ، ولا خاب أملك ، ولا عدم المرعى الخصيب هملك ، فلنعم مغلي البضائع ، وحافظ الفضل الضائع ، ومقتني الفوائد ، ومعوّد العوائد . وستثبتّ مخيلته ، فإذا الشيخ وتلميذه ، وحماره ونبيذه ، وقد تنكّر بالخضاب المموّه ، والزيّ المنوه وعاث بخد الغلام الشعر المشوّه . فقلت ، هيه أبت المعارف أن تتنكر ، والصباح أن يجحد أو ينكر ، كيف الحال بعدي ، وما اعتذاراك عن إخلاف وعدي ، فقال :
خذ من زمانك ما تيسّر * واترك بجهدك ما تعسّر
ولرب مجمل حالة * ترضى به ما لم يفسّر
والدهر ليس بدائم * لابد أن سيسوء إن سر
واكتم حديثك جاهدا * شمت المحدث أو تحسّر
والناس آنية الزجاج إذا عثرت به تكسر
لا تعدم التقوى فمن * عدم التقي في الناس أعسر
وإذا امرؤ خسر الإله * فليس خلق منه أخسر
ثم ضرب جنب الحمار ، واختلط في الغمار ، وتركني أتقرّى الآثار ، وكل نظم فإلى انتثار .
هامش
( 490 ) غساسه : تقع عند مصب نهر ملويهMuluiaبالبحر المتوسط ، وهناك كانت قبائل بطويةButhoia .راجع ( ابن خلدون : العبر ج 6 ص 101 - 102 ، .J . Leon : op . cit . p . 180 )