وأنت خبير بأن هذه الآثار النبويّة اشتهرت بين الناس يعلمها الخلف عن السّلف تفيد أمرا شريفا فيه فضيلة وبركة فكيف يسوغ ردّها والطعن فيها ، ونسبة الكذب إلى من وجدوا في نفوسهم العلم بها من آبائهم وأجدادهم وما هي إلا عداوة في الدين وسدّ لسبيل الخير على المسلمين .
[ من توقف في قبول الأثر النبوي على الصخرة ]
والحاصل أنّه إن لم يكن الإجماع واقعا على أنها آثار تلك الأقدام المذكورة فقد ثبت ذلك بطريق التواتر وأخبار الخلف عن السّلف ، وذلك لاشتراطهم اتفاق المجتهدين في تحقيق الإجماع ، ونحن لا نعلم الآن أحوال المجتهدين المتقدمين في اتفاقهم على ذلك أو عدم اتفاقهم عليه أو سكوتهم عنه ، غير أنّ أول من ردّ ذلك وأنكره تقي الدين بن تيميّة وتلميذه ابن قيم الجوزية ، وتردّد في إثبات ذلك وإنكاره ، الجلال السيوطي ، وتردد أيضا الشهاب ابن حجر الهيتمي ، وعبارته في الجوهر المنظّم . وفي حديث إنّ بمكّة حجرا كان يسلّم « 1 » عليّ ليالي بعثت ، إني لأعرفه إذا مررت عليه ، إيماء إلى ما اشتهر على ألسنة الخلف عن السّلف إنّه الحجر البارز بزقاق المرفق لأنّه كان على ممرّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى بيت خديجة رضي اللّه عنها ، وعبارته في شرح القصيدة الهمزيّة التي للأبوصيري في المديح النبوي ، قال عند البيت المتقدم ذكره قريبا : الذي ذكره الناظم / ذكره غيره ممن تكلّم على الخصائص ، لكن بلا سند ، انتهى ، فقوله بلا سند ميل منه إلى ما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيّم ومن تابعهما من إنكار ذلك ، والرّاجح هو إثبات ذلك ميلا إلى ما اتفق عليه عموم الناس واشتهر على ألسنة الخلف عن السّلف وإن لم يكن لهم مستند في ذلك ، فقد يكون لهم مستند وخفي عنّا كما قدمناه في الإجماع ، فإن هذا المقدار من العلماء المتقدّمين والمتأخرين وغيرهم من عوامّ الناس لا يتفقون في الغالب على أمر باطل ، ولا يخبرون بشيء كذب ، وقد بلغوا حدّ التواتر بحيث لا يحصى عددهم ، وإثبات الخبر أولى من نفيه ، وتخريج أحوال
هامش
( 1 ) رواه الترمذي والدارمي وأحمد بن حنبل . المعجم المفهرس 1 / 426 .