ويختم أمير المؤمنين قوله بما أمر اللّه به من العدل والإحسان ، والحمد للّه وهو من الخلق أحمد ، وقد آتاه اللّه ملك سليمان ، واللّه يمتّع أمير المؤمنين بما وهبه ، ويملّكه أقطار الأرض ويورثه بعد العمر الطويل عقبه ، فلا يزال على سدّة العلياء قعوده ، ولدست الخلافة به أبّهة الجلالة كأنّه ما مات منصوره ولا أودى مهديه ولا رشيده .
* * * ومن قصيدة ابن فضل اللّه التي سمّاها حسن الوفاء بمشاهير الخلفاء :
وطار منهم نحو مصر قشعم * قد جاءها كما يجيء الطائر
قال أخي مستنصر ووالدي * والده وهو الإمام الظاهر
فلقّبوه مثله مستنصرا * وذاك أنّ جدّ هذا الناصر
وكان منه الظاهر السلطان ذا * خوف ومن بأسائه يحاذر
فبايعوا الحاكم بعد أن أتى * وفر فالتفّت به العشائر
وهو أبو العبّاس أحمد الرضا * من ولد الرّاشد نجم زاهر
وقام مستكف كفاه ربّه * جميع ما يخاف ناه آمر
وبعده الواثق إبراهيم لا * عاد ولا دارت له الدوائر
والحاكم الآن إمام عصرنا * بشرى لنا إنّا له نناصر
ثمّ في يوم الاثنين ثاني محرم سنة اثنتين وأربعين حضر الخليفة الحاكم والسلطان المنصور والقضاة بدار العدل ، فجلس الخليفة على الدرجة العلياء ، وعليه خلعة خضراء ، وفوق عمامته طرحة سوداء مرقومة بالذهب ، وجلس السلطان دونه ، فقام الخليفة وخطب خطبة افتتحها بقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[ النحل : 90 ] ، وبقوله :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
[ النحل : 91 ] ثمّ أوصى الأمراء بالرفق بالرعيّة وإقامة الحقّ ، وتعظيم شعائر الإسلام ونصرة الدين ، ثمّ قال : فوّضت إليك جميع أحكام المسلمين ، وقلّدتك جميع ما تقلّدته من أمور الدين
فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
[ الفتح : 10 ] وقرأ الآية ، وجلس .
ثمّ جيء بخلعة سوداء ألبسها الخليفة السلطان بيده ، ثمّ قلّده سيفا عربيّا ، ثمّ أخذ علاء الدين بن فضل اللّه كاتب السر في قراءة عهد الخليفة للسلطان ، حتّى فرغ منه ، ثمّ قدّمه إلى الخليفة ، فكتب عليه ثمّ كتب بعده القضاة الأربعة بالشهادة عليه واستمرّ الخليفة في