ونصف ، ومنها يجلب السكّر إلى كثير من البلاد ، وقد نسي بها ما كان يذكر من سكّر الأهواز .
وبها الكتّان المعدوم المثل المنقول منه ، وممّا يعمل من قماشه إلى أقطار الأرض .
ومبانيها بالحجر ، وأكثرها بالطّوب وأفلاق النخل والجريد . وخشب الصّنوبر مجلوب إليهم من بلاد الروم في البحر ، ويسمّى عندهم النّقي .
وبها المدارس والخوانق والرّبط « 1 » والزوايا والعمائر الجليلة الفائقة المعدومة المثل المفروشة بالرخام ، المسقوفة بالأخشاب ، المدهونة الملمّعة بالذّهب واللّازورد .
قال : وحاضرة مصر تشتمل على ثلاث مدن عظام : الفسطاط ، وهو بناء عمرو بن العاص ؛ وهي المسمّاة عند العامة بمصر العتيقة ، والقاهرة بناها جوهر القائد لمولاه الخليفة المعزّ ، وقلعة الجبل بناها قراقوش للملك الناصر صلاح الدين أبي المظفّر يوسف بن أيّوب ، وأوّل من سكنها أخوه العادل ، وقد اتّصل بعض هذه الثلاثة ببعض بسور بناه قراقوش « 2 » بها إلّا أنه قد تقطّع الآن في بعض الأماكن ، وهذا السّور ، هو الّذي ذكره القاضي الفاضل في كتاب كتبه إلى السلطان صلاح الدين ، فقال : واللّه يحيي الموتى حتّى يستدير بالبلدين نطاقه ، ويمتدّ عليهما رواقه ، فهما عقيلة ما كان معصمهما بغير سوار ، ولا حضرهما ليجلى بلا منطقة نضار .
قال : وبها المارستان المنصوريّ المعدوم النظير ، لعظم بنائه وكثرة أوقافه . وبها البساتين الحسان والمناظر النّزهة والآدار المظلة على البحر ، وعلى الخلجاناة الممتدّة فيه أوقات مدّها .
وبها القرافة تربة عظمى لمدفن أهلها ، وبها العمائر الضخمة ، وهي من أحسن البلاد إبّان ربيها للغدر الممتدّة من مقطعات النيل بها ، وما يحفّها من زرع أخرجت شطأها وفتّقت أزهارها ، وبها من محاسن الأشياء ولطائف الصنائع ما تكفي شهرته ومن الأسلحة والقماش والزّركش والمصوغ والكفت « 3 » وغير ذلك ما لا يكاد يعدّ تفرّدها به ، والرماح التي لا يعمل في الدنيا أحسن منها . انتهى كلام ابن فضل اللّه .
هامش
( 1 ) الرباط والمرابطة : ملازمة ثغر العدو ، انظر الخطط المقريزية : 2 / 427 .
( 2 ) في شذرات الذهب : 4 / 331 : هو بهاء الدين الأبيض فتى الملك أسد الدين شيركوه ، بنى قلعة القاهرة والسور على مصر والقاهرة والقنطرة التي عند الأهرام ، توفي سنة 597 ه .
( 3 ) الكفت : القدر الصغيرة ، أو عملية تطعيم النحاس بالفضة والذهب .