تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
وفي سنة ستّ وتسعين ، قال الذهبيّ ، في العبر : كسر « 1 » النّيل من ثلاثة عشر ذراعا إلا ثلاثة أصابع ، فاشتدّ الغلاء ، وعدمت الأقوات ، ووقع البلاء وعظم الخطب ، إلى أن آل بهم الأمر إلى أكل الآدميين الموتى . قال ابن كثير في هذه السنة والتي بعدها « 2 » : كان بديار مصر غلاء شديد ، فهلك الغنيّ والفقير ، وعمّ الجليل والحقير ، وهرب الناس منها نحو الشام ، ولم يصل منها إلّا القليل من الفئام « 3 » ، وتخطّفتهم الفرنج من الطرقات ، وعزّوهم في أنفسهم ، واغتالوهم بالقليل من الأقوات . وكان الأمير لؤلؤ أحد الحجّاب بالديار المصرية يتصدّق في هذا الغلاء في كلّ يوم باثني عشر ألف رغيف على اثني عشر ألف فقير . وفي سنة سبع وتسعين ، قال الذهبيّ في العبر : كان الجوع والموت « 4 » المفرط بالديار المصرية ، وجرت أمور تتجاوز الوصف ، ودام ذلك إلى نصف العام الآتي ، فلو قال القائل : مات ثلاثة أرباع أهل الإقليم لما أبعد ، والذي دخل تحت قلم الحصريّة في مدّة اثنين وعشرين شهرا مائة ألف وأحد وعشرون ألفا بالقاهرة ، وهذا نزر في جنب ما هلك بمصر والحواضر ، وفي البيوت والطرقات ولم يدفن ، وكلّه نزر في جنب ما هلك بالأقاليم . وقيل إنّ مصر كان فيها تسعمائة منسج للحصر ، فلم يبق إلّا خمسة عشر منسجا ، فقس على هذا ؛ وبلغ الفرّوج مائة درهم ، ثمّ عدم الدّجاج بالكلّية لولا ما جلب من الشام ، وأما أكل لحوم الآدميّين « 5 » فشاع وتواتر . هذا كلام الذهبيّ . وقال صاحب المرآة : في هذه السنة كان هبوط النيل ، ولم يعهد ذلك في الإسلام إلّا مرّة واحدة في دولة الفاطميين ، ولم يبق منه إلا شيء يسير ، واشتدّ الغلاء والوباء بمصر ، فهرب النّاس إلى المغرب والحجاز واليمن والشام ، وتفرّقوا وتمزّقوا كلّ ممزّق . قال : وكان الرّجل يذبح ولده ، وتساعده أمّه على طبخ وشيّه ؛ وأحرق السلطان جماعة فعلوا ذلك ولم ينتهوا ، وكان الرجل يدعو صديقه وأحبّ الناس إليه إلى منزله ليضيفه ، فيذبحه ويأكله ، وفعلوا بالأطبّاء ذلك ، وفقدت الميتات والجيف ، وكانوا يخطفون الصبيان من الشوارع فيأكلونهم ، وكفّن السلطان في مدّة يسيره مائتي ألف وعشرين ألفا ، وامتلأت طرقات المغرب والحجاز والشام برمم النّاس ، وصلّى إمام جامع إسكندرية في يوم واحد على سبعمائة جنازة « 6 » .
هامش
( 1 ) النجوم الزاهرة : 6 / 143 . ( 2 ) الكامل لابن الأثير : 9 / 255 . ( 3 ) الفئام : الجماعة من الناس . ( المنجد ) . ( 4 ) النجوم الزاهرة : 6 / 156 . ( 5 ) انظر المرجع السابق . ( 6 ) النص بحرفيته في المصدر السابق .