تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وإن زحزحها الغادرون ، وأكحم معاقدها وإن جهد في حلّها الماكرون ، يريدون ليطفئوا نور اللّه بأفواههم ، واللّه متمّ نوره ولو كره الكافرون . والحمد للّه الذي حفظ بأمير المؤمنين نظام الخلافة واتّساقها ، وحمى لميامنه دوحة الإمامة وأبقى نضرتها وإبراقها ، وأورث خصائص الأئمّة الراشدين في آبائه ، وأودعه سرائر دينه المصونة في صدور أنبيائه ، وأيّده بموارد الإرشاد والإلهام ، وجعل طاعته فرضا مؤكّدا على كافّة الأنام ، وخصّه بالتوفيق والعصمة ، وأفاض للأمّة به سجال الرحمة ، وأبرم بأمانته أمر الملّة ، وأحكم معاقد الدين ، وجعله من هداته ، قال جلّ وعلا فيهم :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ
[ الأنبياء : 73 ] . يحمده أمير المؤمنين على ما نقله إليه من خصائص آبائه الأئمة الأطهار ، وأيّده به في أنصار دعوته من العلوّ والاستظهار ، واتّخذه به من جنود السماء والأرض وأظهر له من معجزاته وآياته ، وأظهر بمزيّته من مظاهر الظفر لألويته وراياته . ونسأله أن يصلّي على جدّه محمد نبيّه الأمين ، ورسوله المبعوث في الأميّين ، الهادي إلى جنّات النعيم ، والمحيطة متابعته بالفوز العظيم ، الذي جلى اللّه ظلمات الجهالة بمبعثه ، وشرّف الأئمّة من ذرّيته بمقامه ومورثه ، وردّ النافر إلى الطاعة بالبرّ والإيناس ، وجعله خير رسول إلى خير أمّة أخرجت للناس . وعلى أخيه وابن عمّه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب قسيمه في المناسب والفضائل ، وثالثه في تشفيع الذرائع والوسائل ، ومفرّج الكرب عنه بمؤازرته وصدق كفاحه ، وباب مدينة علمه الذي لا يوصل إليه إلا باستفتاحه ، وعلى الأئمة من ذرّيتهما الذين بلّغ اللّه بهم الأرب والسؤال ، وأغنى الأئمة بهداهم عن التقفية بعده برسول ، والعترة المصطفين ، وأحد الثّقلين ، وبحار العلم الزاخرة ، والمرجوّين لصلاح الدنيا والآخرة ، وسلّم ومجّد ، ووالى وردّد . وإنّ أمير المؤمنين لما مهّده اللّه من ذي الشرف الباذخ ، وحازه لمنصبه من الفخر الأصيل والمجد الشامخ ، وأفرد به من خلافته على العالمين ، وأورثه إيّاه من غوامض الحكم التي لا يعقلها إلّا أعيان العالمين ، وحباه به من ضروب الوجاهة والكرامة ، وأفاضه عليه من أنوار الإمامة ، وواصله إليه من العناية الشاملة والبرّ الحفيّ ، وجمعه له من الإحسان الجليّ واللطف الخفيّ ، وأقرّه من مواب الفضل والإفضال لديه ، وجعل في كلّ حركة وسكون دليلا واضحا يشير إليه ، يقدّر نعم اللّه حقّ قدرها ، ويواصل العكوف على الاعتداد بها ونشرها ، ويبالغ في شكرها قولا وعملا ونيّة ، ويجهد نفسه
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 187 | جلال الدين السيوطي / خليل المنصور