تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
قدره . وبه من عجائب الآثار ما لا يضبطها العيان ، فضلا عن الإخبار ، من ذلك الهرمان اللذان هرم الدهر وهما لا يهرمان ، قد اختصّ كلّ منهما بعظم البناء وسعة الفناء ، وبلغ من الارتفاع غاية لا يبلغها الطير على بعد تحليقه ، ولا يدركها الطّرف على مدّة تحديقه ؛ فإذا أضرم برأسه قبس ظنّه المتأمّل نجما ، وإذا استدار عليه قوس السماء كان له سهما . وقال صاحبنا الشهاب المنصوريّ :
إن جزت بالهرمين قل كم فيهما * من عبرة للعاقل المتأمّل
شبّهت كلّا منهما بمسافر * عرف المحلّ فبات دون المنزل
أو عاشقين وشى بوصلهما أبو ال * هول الرّقيب فخلّفاه بمعزل
أو حائرين استهديا نجم السّما * فهداهما بضيائه المتهلّل
أو ظامئين استسقيا صوب الحيا * فسقاهما عذبا رويّ المنهل
يفنى الزّمان وفي حشاه منهما * غيظ الحسود وضجرة المستثقل

ذكر بناء الإسكندرية

أخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر ، والبيهقي « 1 » في دلائل النبوّة ، عن عقبة بن عامر الجهنيّ رضي اللّه عنه ، قال : جاء رجال من أهل الكتاب ، معهم كتب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن شئتم أخبرتكم عمّا أردتم أن تسألوني قبل أن تتكلّموا ، وإن شئتم تكلّمتم وأخبرتكم ! قالوا : بل أخبرنا قبل أن نتكلّم ، قال : جئتم تسألونني عن ذي القرنين ، وسأخبركم كما تجدونه مكتوبا عندكم ؛ إنّ أوّل أمره أنّه كان غلاما من الرّوم ، أعطي ملكا ، فسار حتّى أتى ساحل البحر من أرض مصر ، فابتنى عنده مدينة يقال لها الإسكندرية ، فلما فرغ من بنائها أتاه ملك ، فعرج به حتّى استقلّه فرفعه ، فقال : انظر ما تحتك ، قال : أرى مدينتي ، وأرى مدائن معها ، ثمّ عرج به ، فقال : انظر ، فقال : قد اختطلت مع المدائن فلا أعرفها . . . الحديث بطوله ؛ وقد أوردته في التفسير المأثور في سورة الكهف . وأخرج ابن عبد الحكم ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، قال : كان أوّل شأن الإسكندريّة أنّ فرعون اتّخذ بها مصانع ومجالس ، وكان أوّل من عمرها وبنى فيها ، فلم
هامش
( 1 ) هو أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد اللّه بن موسى البيهقي ، رحل في طلب العلم ، من مصنفاته : دلائل النبوّة ، السنن الكبير والصغير ، الآثار ، مناقب أحمد بن حنبل . . . عاش بين عامي 384 - 458 ه . [ وفيات الأعيان : 1 / 75 ، 76 ] .