تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
وثلثي منّ ، وإنّه رئي بعد فتح مصر يوزن به في ميزان الوكالة . انتهى . فملكهم من بعده الريّان بن الوليد - وهو صاحب يوسف عليه الصلاة والسلام - فلمّا رأى الملك رؤياه الّتي رآها وعبّرها يوسف ، أرسل إليه فأخرجه من السجن ، ودفع إليه خاتمه ، وولّاه ما خلّف آباؤه ، وألبسه طوقا من ذهب وثياب حرير ، وأعطاه دابّة مسرجة مزيّنة كدابّة الملك ، وضرب بالطبل بمصر أنّ يوسف خليفة الملك . وما أحسن قول بعضهم :
أما في رسول اللّه يوسف أسوة * لمثلك محبوسا على الظلم والإفك
أقام جميل الصّبر في الحبس برهة * فآل به الصبر الجميل إلى الملك
قال ابن عبد الحكم : حدّثنا أسد بن موسى ، حدّثني الليث بن سعد ، حدثني بعض مشيخة لنا ، قال : اشتدّ الجوع على أهل مصر ، فاشتروا الطّعام من يوسف بالذهب حتّى لم يجدوا ذهبا ، فاشتروا بالفضّة حتّى لم يجدوا فضّة ، فاشتروا بأغنامهم حتّى لم يجدوا غنما ؛ فلم يزل يبيعهم الطّعام حتّى لم يبق لهم فضّة ولا ذهبا ولا شاة ولا بقرة في تلك السنتين ، فأتوه في الثالثة ، فقالوا له : لم يبق لنا شيء إلّا أنفسنا وأهلونا وأرضونا . فاشترى يوسف أرضهم « 1 » كلّها لفرعون ، ثمّ أعطى لهم يوسف طعاما يزرعونه على أنّ لفرعون الخمس . قال ابن عبد الحكم : وفي ذلك الزّمان استنبطت الفيّوم ، وكان سبب ذلك كما حدثنا هشام بن إسحاق أنّ يوسف عليه الصلاة والسلام لمّا ملك مصر ، وعظمت منزلته من فرعون ، وجاوزت سنّه مائة سنة ، قال وزراء الملك له : إنّ يوسف قد ذهب علمه ، وتغيّر عقله ، ونفدت حكمته ، فعنّفهم فرعون ، وردّ عليهم مقالتهم ، فكفّوا ؛ ثمّ عاودوه بذلك القول بعد سنين ، فقال لهم : هلمّوا ما شئتم من أيّ شيء أختبره به . وكانت الفيّوم يومئذ تدعى الجوبة ؛ وإنّما كانت لمصالة « 2 » ماء الصعيد وفضوله - فاجتمع رأيهم على أن تكون هي المحنة التي يمتحنون بها يوسف عليه الصلاة والسلام ، فقالوا لفرعون : سل يوسف أن يصرف ماء الجوبة عنها ، ويخرجه منها ، فتزداد بلدا إلى بلدك ، وخراجا إلى خراجك . فدعا يوسف فقال : قد تعلم مكان ابنتي فلانة منّي ، وقد رأيت إذا بلغت أن أطلب لها بلدا ، وإنّي لم أصب لها إلا الجوّبة ؛ وذلك أنّه بلد بعيد قريب ، لا يؤتى من وجه من الوجوه إلّا من غابة أو صحراء ، فالفيّوم وسط مصر كمثل مصر في
هامش
( 1 ) انظر مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي 1 / 360 ، 361 . ( 2 ) مصالة الماء : بقيّته القليلة .
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 37 | جلال الدين السيوطي / خليل المنصور