هيهات لو قبل الموت الفدا بذلت * في الشيخ من غير ثنيا أنفس البشر
عجبي لقبر حواه إنّه عجب * إذ بان منه اتّساع الصدر للبحر
لهفي على فقد شيخ المسلمين لقد * جلّ المصاب وفيه عزّ مصطبري
لهفي عليه سراجا كان متّقدا * يسمو ذكا بذكاء غير منحسر
لولا نداه خشينا نار فكرته * لكنّه بنداه مطفئ الشّرر
من ناره ظلّ بحر النيل محترقا * حزنا ألا فاعجبوا من فطنة النّهر
لهفي وهل نافعي إبداع مرثية * وكيف يغنى كسير القلب بالفقر ؟ !
لهفي عليه لليل كان يقطعه * نفلا وذكرا وقرآنا إلى السحر
لهفي عليه لعلم كان يجمعه * يشقّ فيه عليه فرقة السّهر
لهفي عليه لعان كان ينفعه * فعلا وقولا فما يؤتى من الحصر
لهفي عليه لضدّ كان يدفعه * عن الخلائق من بدو ومن حضر
نعم ويا طول حزني ما حييت على * عبد الرّحيم فحزني غير مقتصر
لهفي على حافظ العصر الّذي اشتهرت * أعلامه كاشتهار الشمس في الظّهر
علم الحديث انقضى لما قضى ومضى * والدّهر يفجع بعد العين بالأثر
لهفي على فقد شيخيّ اللّذين هما * أعزّ عندي من سمعي ومن بصري
لهفي على من حديثي عن كمالهما * يحيي الرّميم ويلهي الحيّ عن سمر
اثنان لم يرتق النّسران ما ارتقيا * نسر السما إن يلح والأرض إن يطر
ذا شبه فرخ عقاب حجّة صدقت * وذا جهينة إن يسأل عن الخبر
لا ينقضي عجبي عن وفق عمرهما * العام كالعام حتّى الشهر كالشّهر
عاشا ثمانين عاما بعدها سنة * وربع عام سوى نقص لمعتبر
الدّين تتبعه الدنيا مضت بهما * رزيّة لم تهن يوما على بشر
بالشمس وهو سراج الدين يتبعه * بدر الدياجيّ زين الدين في الأثر
ما أظلم الأفق في عيني وقد أفلت * شمس المنيرة عنّي وامّحى قمري
قد ذقت من بين أحبابي العذاب وهم * لاح النّعيم فساروا سير مبتدر
يا قلب ساروا وما وافقتهم فعلوا * إلى الرفيق لدى الجنّات والنهر
وعشت بعد نواهم مظهرا جلدا * تكابد الشوق ما أقساك من حجر
وأنت يا طرف لا تنظر لغيرهم * ما أنت عندي إن تنظر بذي نظر
ولا يغرّنك بشر من خلافهم * ولو أنار فكم نور بلا ثمر
وقل لأسود عيني يعد أبيضه * يا آخر الصّفو هذا أوّل الكدر
ما بعدهم غاية يا موت تطلبها * بلغت للأفق في المرقى فلا تطر