تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
هناك نهيرات عدة تنحدر نازلة من هذه القمة وتروى السهل الذي تغطيه حقول خضراء ، وأشجار ظليلة كبيرة على جانب الصخور الجرانيتية . هذا المشهد والهواء المنعش الذي يهب علينا هنا يستثيران دهشة هؤلاء الذين لم يعرفوا سوى الرمال الموحشة والمحرقة في أراضي الحجاز المنخفضة . أشاهد هنا كثيرا من أشجار الفواكه الأوروبية : أشاهد أشجار التين والمشمش والخوخ والتفاح واللوز والرمان ، أشاهد أيضا أشجار الجميز المصري ، وأشاهد هنا وبصفة خاصة الكروم التي تعد أعنابها من أفضل الأنواع . المنطقة هنا خالية من النخيل ، لكن فيها القليل من أشجار النبق . الحقول هنا تنتج القمح والشعير والبصل لكن صخرية التربة هنا تجعل هذه الحاصلات لا تجود مثل أشجار الفاكهة . كل " بلد " ، وهذا هو الاسم الذي يطلقه الناس هنا على " الحقل " ، محاط بسور منخفض ، وهو ملك لبدوى من بدو هذيل . هذا المكان جرى تدميره وتخريبه وتدمير حقوله ، عندما استولى عثمان المضايفة على الطائف من الشريف غالب ، ولم يجر إلى يومنا هذا إعادة بناء كثير من أسوار الحقول . بعد أن تجولنا قرابة نصف ساعة في هذه المنطقة الجميلة ، وكان ذلك مع بداية شروق الشمس ، حيث كان الندى الجميل يغطى كل ورقة وكل عود من أعواد الحشائش ، وعندما كانت كل شجرة وكل دغل من الأدغال يرسل عبيقه في الجو لتتلقفه الأنوف ، وعندما كان المنظر الطبيعي يسر الخاطر ويسر الناظرين ، هنا توقفت بالقرب من أكبر تلك الأفلاج ، الذي - على الرغم من أن عرضه لم يكن يزيد على خطوتين - كان يغذى على ضفتيه أشجار الطرفاء الألبية شديدة الخضرة التي لا يستطيع النيل العظيم بكل عنفوانه إنتاجها في مصر . أحضر لنا بعض العرب شيئا من حبات اللوز والزبيب ، وأعطيناهم مقابل ذلك شيئا من البسكويت ، لكن على الرغم من نضوج الأعناب ، لم نستطع الحصول على أي شئ منها ، وسبب ذلك أن تلك الأعناب يجرى شراؤها وهي على أشجارها بواسطة تجار الطائف الذين يصدرون هذه الأعناب إلى مكة ، ويقومون بحراستها بواسطة حراس من قبلهم ، إلى أن يقوموا هم بحصادها . هنا
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 94 | جان لوئيس بوركهارت