تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
لكني أجبته أن الحجاز ليست كمصر ، مليئة بالآثار ، وقلت له أيضا إني لم أر في هذه الجبال الجرداء أي شئ جدير بالملاحظة . لم يسمحوا لي أن أنفرد بنفسي ولو للحظات قليلة ، وكانت لدىّ شكوك مفادها أن بوسارى ، وعلى الرغم من كل تأكيده للصداقة التي بيننا ، لم يكن شيئا سوى جاسوس . وهكذا توصلت إلى أن بقائى في الطائف لفترة غير محدودة ، في ظل الظرف الذي أنا فيه حاليا ، يعد أمرا غير مرغوب فيه وغير مستحب أيضا ، ومع ذلك لم أستطع تحديد نوايا الباشا قبلي . كان واضحا أنه ينظر إلىّ من منظور واحد فقط وهو أنى جاسوس موفد إلى هذا البلد من قبل الحكومة الإنجليزية ، للتأكد من الحال الراهن ، وأن أكتب تقريرا عن هذا الأمر وأنا في جزر الهند الشرقية . هذا في تقديرى هو رأى الباشا ، كان يعرفني على أنى من الإنجليز ، وقد انتحلت هذا الاسم أثناء أسفارى ( وآمل ألا يكون في ذلك إساءة لهذا البلد ) ، على أمل أن أبدو أوروبيا إذا ما دعت الضرورة ، وسبب ذلك هو أن رعايا إنجلترا وفرنسا دون غيرهم ، كانوا هم الوحيدين الذين يتمتعون بالأمن والسلامة في الشرق ؛ كانوا يعدون محميين حماية تامة من قبل حكوماتهم في بلادهم من ناحية ومن قبل وزرائهم في إسطنبول من ناحية ثانية ، الأمر الذي كان يحول دون تلاعب الحكومات الإقليمية بهم أو الإساءة إليهم . يزاد على ذلك أن الباشا كان يعدنى من أصحاب المقام الرفيع ، ذلك أن واحدا من الإنجليز الذين يترحلون في الشرق يقولون له " سيدي " : وكان الباشا مقتنعا بذلك تمام الاقتناع ، في ضوء تلك الحالة من الاحترام التي أحطت بها نفسي في هذا البلاط التركي ، الذي فيه التواضع السلوكى وعذوبة المعاشرة والأنس أمور لا محل لها من الإعراب . وربما كان تخوفه من بريطانيا العظمى هو الذي حدا به إلى عدم إساءة معاملتى ، وذلك على الرغم من عدم فعل أي شئ في أموري المعروضة عليه ، وعلى قدر معرفته ، أنا لا يمكن أن آخذ سوى خمسمائة قرش التي أمر لي بها في جدة ، والتي لم تكن كافية لسداد مصروفاتى في الحجاز إلا لمدة قليلة جدا ، ولم يقل لي الباشا أو بوسارى عن مسألة سحب حوالتى على القاهرة ، كما سبق أن عرضت ، ولم أعاود التطرق إلى هذا الموضوع ، إذ كان معي ما يكفيني من النقود في الوقت الراهن ، فضلا عن أنى كنت أتوقع وصول مبالغ إضافية من مصر .
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 102 | جان لوئيس بوركهارت