تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
فاحتفل في كرامتنا وبرنا وباح لنا بسره المكنون بعد مراقبة منه في مجلسه أزال لها كل من كان حوله ممن يتهمه من خدامه محافظة على نفسه . فسألنا عن مكة ، قدسها اللّه ، وعن مشاهدها المعظمة وعن مشاهد المدينة المقدسة ومشاهد الشام . فأخبرناه ، وهو يذوب شوقا وتحرقا ، واستهدى منا بعض ما استصحبناه من الطرف المباركة من مكة والمدينة قدسهما اللّه . ورغب في أن لا نبخل عليه بما أمكن من ذلك . وقال لنا : أنتم مدلون بإظهار الإسلام ، فائزون بما قصدتم له ، رابحون إن شاء اللّه في متجركم . ونحن كاتمون إيماننا ، خائفون على أنفسنا ، متمسكون بعبادة اللّه وأداء فرائضه سرا ، معتقلون في ملكة كافر باللّه ، قد وضع في أعناقنا ربقة الرق ، فغايتنا التبرك بلقاء أمثالكم من الحجاج ، واستهداء أدعيتهم ، والاغتباط بما نتلقاه منهم من تحف تلك المشاهد المقدسة ، لنتخذها عدة للإيمان ، وذخيرة للأكفان . فتفطرت قلوبنا له إشفاقا ودعونا له بحسن الخاتمة ، وأتحفناه ببعض ما كان عندنا مما رغب فيه . وأبلغ في مجازاتنا ومكافأتنا واستكتمناه سائر إخوانه من الفتيان . ولهم في فعل الجميل أخبار مأثورة ، وفي افتكاك الأسرى صنائع عند اللّه مشكورة . وجميع خدمتهم على مثل أحوالهم . ومن عجيب شأن هؤلاء الفتيان أنهم يحضرون عند مولاهم فيحين وقت الصلاة فيخرجون أفذاذا من مجلسه فيقضون صلاتهم . وربما يكونون بموضع تلحقه عين ملكهم فيسترهم اللّه عزّ وجل ، فلا يزالون بأعمالهم ونياتهم وبنصائحهم الباطنة للمسلمين في جهاد دائم ، واللّه ينفعهم ويجعل خلاصهم بمنّه . ولهذا الملك بمدينة مسينة المذكورة دار صنعة البحر تحتوي من الأساطيل على ما لا يحصى عدد مراكبه ، وله بالمدينة مثل ذلك .

مغادرة مدينة مسينة

فكان نزولنا في أحد الفنادق ، وأقمنا بها تسعة أيام ، فلما كان ليلة الثلاثاء الثاني عشر للشهر المبارك المذكور ، والثامن عشر لدجنبر ، ركبنا في زورق متوجهين إلى المدينة المتقدم ذكرها ، وصرنا قريبا من الساحل بحيث نبصره رأي العين . وأرسل اللّه علينا ريحا شرقية رخاء طيبة زجت الزورق أهنأ تزجيه ، وسرنا نسرح اللحظ في عمائر وقرى متصلة وحصون ومعاقل في قنن الجبال مشرفة . وأبصرنا عن يمننا في البحر تسع
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 257 | ابن جبير