تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
ودهليز الباب الغربي فيه حوانيت البقالين والعطارين ، وفيه سماط لبيع الفواكه . وفي أعلاه باب عظيم يصعد إليه على أدراج ، وله أعمدة سامية في الهواء . وتحت الأدراج سقايتان مستديرتان : سقاية يمينا ، وسقاية يسارا ، لكل سقاية خمسة أنابيب ترمي الماء في حوض رخام مستطيل . ودهليز الباب الشمالي في زوايا على مصاطب محدقة بالأعواد المشرجبة ، وهي محاضر لمعلي الصبيان . وعن يمين الخارج في الدهليز خانقة مبنية للصوفية ، في وسطها صهريج ، ويقال : إنها كانت دار عمر بن عبد العزيز ، رضي اللّه عنه ، ولها خبر سيأتي ذكره بعد هذا . والصهريج الذي في وسطها يجري الماء فيه ، ولها مطاهر يجري الماء في بيوتها . وعن يمين الخارج أيضا من باب البريد مدرسة للشافعية ، في وسطها صهريج يجري الماء فيه ، ولها مطاهر على الصفة المذكورة . وفي الصحن بين القباب المذكورة عمودان متباعدان يسيرا ، لهما رأسان من الصفر مستطيلان مشرجبان ، قد خرما أحسن تخريم ، يسرجان ليلة النصف من شعبان ، فيلوحان كأنهما ثريتان مشتعلتان . واحتفال أهل هذه البلدة ، لهذه الليلة المذكورة ، أكثر من احتفالهم ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم . وفي هذا الجامع المبارك مجتمع عظيم ، كل يوم إثر صلاة الصبح ، لقراءة سبع من القرآن دائما . ومثله إثر صلاة العصر ، لقراءة تسمى الكوثرية ، يقرأون فيها من سورة الكوثر إلى الخاتمة . ويحضر في هذا المجتمع الكوثري كل من لا يجيد حفظ القرآن . وللمجتمعين على ذلك إجراء كل يوم يعيش منه أزيد من خمسمائة إنسان . وهذا من مفاخر هذا الجامع المكرم . فلا تخلو القراءة منه صباحا ولا مساء . وفيه حلقات للتدريس للطلبة ، وللمدرسين فيها إجراء واسع . وللمالكية زاوية للتدريس في الجانب الغربي ، يجتمع فيها طلبة المغاربة ، ولهم إجراء معلوم . ومرافق هذا الجامع المكرم للغرباء وأهل الطلب كثيرة واسعة . وأغرب ما يحدث به أن سارية من سواريه ، هي بين المقصورتين القديمة والحديثة ، لها وقف معلوم يأخذه المستند إليها للمذاكرة والتدريس . أبصرنا بها فقيها من أهل إشبيلية يعرف بالمرادي . وعند فراغ المجتمع السبعي من القراءة صباحا ، يستند كل إنسان منهم إلى سارية ويجلس أمامه صبي يلقنه القرآن . وللصبيان أيضا على قراءتهم جراية معلومة . فأهل