تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قامت عليها شوارع مستديرة ، فيها الحوانيت المنتظمة للعطارين وسواهم ، وعليها شوارع أخر مستطيلة فيها الحجر والبيوت . وفي وسط الدهليز حوض كبير مستدير من الرخام عليه قبة تقلها أعمدة من الرخام ، ويستدير بأعلاها طرة من الرصاص واسعة ، مكشوفة للهواء ، لم ينعطف عليها تعتيب . وفي وسط الحوض الرخامي أنبوب صفر يزعج الماء بقوة فيرتفع إلى الهواء أزيد من القامة لم ( . . . ) وحوله أنابيب صغار ترمي الماء إلى علو فيخرج عنها كقضبان اللجين ، فكأنها أغصان تلك الدوحة المائية ومنظرها أعجب وأبدع من أن يلحقه الوصف . وعن يمين الخارج من باب جيرون ، في جدار البلاط الذي أمامه ، غرفة ، ولها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفر قد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار ودبرت تدبيرا هندسيا . فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازيين مصورين من صفر قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحد منهما : أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب ، والثاني تحت آخرها ؛ والطاستان مثقوبتان ، فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار إلى الغرفة ، وتبصر البازيين يمدان أعناقهما بالبندقتين إلى الطاستين ويقذفانهما بسرعة بتدبير عجيب تتخيله الأوهام سحرا ؛ وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي ، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصفر . ولا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار حتى تتغلق الأبواب كلها تنقضي الساعات ، ثم تعود إلى حالها الأول . ولها بالليل تدبير آخر ، وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة ، وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة . مدبر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة . وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة ، فإذا انقضت عمّ الزجاجة ضوء المصباح ، وفاض على الدائرة أمامها شعاعها ، فلاحت للأبصار دائرة محمرة ، ثم انتقل ذلك إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها . وقد وكل بها في الغرفة متفقد لحالها ، درب بشأنها وانتقالها ، يعيد فتح الأبواب وصرف الصنج إلى موضعها . وهي التي يسميها الناس المنجانة .
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 211 | ابن جبير