تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
فبتنا به ، ثم رفعنا منه بعد تهويم ساعة وأسرينا إلى الصباح ، فوصلنا مدينة حران مع طلوع الشمس من يوم الاثنين السابع لربيع المذكور ، والثامن عشر ليونيه ، والحمد للّه على تيسيره .

ذكر مدينة حران كلأها اللّه

بلد لا حسن لديه ، ولا ظل يتوسط برديه ، قد اشتق من اسمه هواؤه ، فلا يألف البرد ماؤه ، ولا تزال تتقد بلفح الهجير ساحاته وأرجاؤه ، ولا تجد فيه مقيلا ، ولا تتنفس منه إلا نفسا ثقيلا ، قد نبذ بالعراء ، ووضع في وسط الصحراء ، فعدم رونق الحضارة ، وتعرت أعطافه من ملابس النضارة . أستغفر اللّه ! كفى بهذا البلد شرفا وفضلا أنه البلدة العتيقة المنسوبة لأبينا إبراهيم ، صلى اللّه عليه وسلم ، وله بقبليها بنحو ثلاثة فراسخ مشهد مبارك فيه عين جارية كان مأوى له ولسارة ، صلوات اللّه عليهما ، ومتعبدا لهما . ببركة هذه النسبة قد جعل اللّه هذه البلدة مقرا للصالحين المتزهدين ، ومثابة للسائحين المتبتلين . لقينا من أفرادهم الشيخ أبا البركات حيان بن عبد العزيز ، حذاء مسجده المنسوب إليه . وهو يسكن منه في زاوية بناها في قبلته ، وتتصل بها في آخر الجانب زاوية لابنه عمر قد التزمها وأشبه طريقة أبيه فما ظلم ، وتعرفت منه شنشنة « 1 » أعرفها من أخزم « 2 » . فوصلنا إلى الشيخ وهو قد نيف على الثمانين ، فصافحنا ودعا لنا وأمرنا بلقاء ابنه عمر المذكور ، فملنا إليه ولقيناه ، ودعا لنا ، ثم ودعناهما وانصرفنا مسرورين بلقاء رجلين من رجال الآخرة . ولقينا أيضا بمسجد عتيق الشيخ الزاهد سلمة ، فلقينا رجلا من الزهاد الأفراد فدعا لنا وسألنا ، وودعناه وانصرفنا . وبالبلد سلمة آخر يعرف بالمكشوف الرأس ، لا
هامش
( 1 ) الشنشنة ( بكسر الشين ) : العادة والخلق والطبيعة . ( 2 ) هذا القول في العقوق لأبي أخزم الطائي : إن بني ضرجوني بالدمشنشنة أعرفها من أخزم