تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وينقسم ماء هذه العين نهرين : أحدهما آخذ يمينا ، والآخر يسارا . فالأيمن يشق خانقة مبنية للصوفية والغرباء بإزاء العين ، وهي تسمى الرباط أيضا ، والأيسر ينسرب على جانب الخانقة وتفضي منه جداول إلى مطاهرها ومرافقها المعدة للحاجة البشرية ، ثم يلتقيان أسفلها مع نهر العين الأخرى العليا . وقد بنيت على شط نهرهما المجتمع بيوت أرحي « 1 » تتصل على شط موضوع وسط النهر كأنه سد . ومن مجتمع ماء هاتين العينين منشأ نهر الخابور . وبمقربة من هذه الخانقة بحيث تناظرها مدرسة بإزائها حمام ، وكلاهما قد وهى وأخلق وتعطل . وما أرى كان في موضوعات الدنيا مثل موضوع هذه المدرسة ، لأنها في جزيرة خضراء والنهر يستدير بها من ثلاثة جوانب والمدخل إليها من جانب واحد ، وأمامها ووراءها بستان ، وبإزائها دولاب يلقي الماء إلى بساتين مرتفعة عن مصب النهر . وشأن هذا الموضع كله عجيب جدا : فغاية حسن القرى بشرقي الأندلس أن يكون لها مثل هذا الموضع جمالا أو تتحلى بمثل هذه العيون ، وللّه القدرة في جميع مخلوقاته . وأما المدينة فللبداوة بها اعتناء ، وللحضارة عنها استغناء لا سور يحصنها ، ولا دور أنيقة البناء تحسنها . قد ضحيت في صحرائها ، كأنها عوذة لبطحائها . وهي مع ذلك كاملة مرافق المدن ، ولها جامعان حديث وقديم ، فالقديم بموضع هذه العيون ، وتتفجر أمامه عين معينة هي دون اللتين ذكرناهما . وهو من بنيان عمر بن عبد العزيز ، رضي اللّه عنه ، لكنه قد أثر القدم فيه حتى آذن بتداعيه . والجامع الآخر داخل البلد ، وفيه يجمع أهله . فكان مقامنا بها ذلك اليوم نزهة لم نختلس في سفرنا كله مثلها . فلما كان عند المغيب من يوم السبت الخامس لربيع المذكور ، وهو السادس عشر ليونيه ، رحلنا منها رغبة في الإسآد « 2 » وبرد الليل وتفاديا من حر هجيرة التأويب ، لأن منها إلى حران مسيرة يومين لا عمارة فيها . فتمادى سيرنا إلى الصباح ثم نزلنا في الصحراء على ماء جب وأرحنا قليلا ، ثم رفعنا ضحوة النهار من يوم الأحد وسرنا ونزلنا قريب العصر على ماء بئر بموضع فيه برج مشيد وآثار قديمة يعرف ببرج حواء ،
هامش
( 1 ) أرحي وأرحاء ( جمع رحى ) : طواحين . ( 2 ) الإسآد ( مصدر أسأد ) : السير طوال الليل .