تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
اليوم عبرة من رأي : أين معتصمها ، وواثقها ، ومتوكلها ؟ ! مدينة كبيرة قد استولى الخراب عليها إلا بعض جهات منها هي اليوم معمورة . وقد أطنب المسعودي ، رحمه اللّه ، في وصفها ووصف طيب هوائها ورائق حسنها . وهي كما وصف ، وإن لم يبق إلا الأثر من محاسنها . واللّه وارث الأرض ومن عليها ، لا إله غيره . فأقمنا بهذا الموضع طول يومنا مستريحين ، وبيننا وبين مدينة تكريت مرحلة ، ثم رحلنا منه وأسرينا الليل كله ، فصبحنا تكريت مع الفجر من يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر ، وهو أول يوم من يونيه ، فنزلنا ظاهرها مستريحين ذلك اليوم .

ذكر مدينة تكريت حرسها اللّه تعالى

هي مدينة كبيرة واسعة الأرجاء ، فسيحة الساحة ، حفيلة الأسواق ، كثيرة المساجد ، غاصة بالخلق ، أهلها أحسن أخلاقا وقسطا في الموازين من أهل بغداد . ودجلة منها في جوفيها ، ولها قلعة حصينة على الشط هي قصبتها المنيعة . ويطيف بالبلد سور قد أثر الوهن فيه . وهي من المدن العتيقة المذكورة . ورحلنا مع عشي اليوم المذكور وأسرينا طول الليل ، وأصبحنا يوم السبت الموفي عشرين منه بشط دجلة ، فنزلنا مريحين . ومن ذلك الموضع يستصحب الماء ليوم وليلة ، فاستصحبناه . ورحلنا ذلك اليوم ضحوة ، فأسرينا إلى الليل ، ونزلنا لأخذ نفس راحة واختلاس سنة نوم ، فهو منا هنيهة ، ورحلنا وأسأدنا « 1 » إلى الصباح . وتمادى سيرنا إلى أن ارتفع النهار من يوم الأحد بعده ، فنزلنا قائلين بقرية على شط دجلة تعرف بالجديدة ، وبمقربة منها قرية كبيرة اجتزنا عليها تعرف بالعقر وعلى رأسها ربوة مرتفعة كانت حصنا لها ، وأسفلها خان جديد بأبراج وشرف حفيل البنيان وثيقه . والقرى والعمائر من هذا الموضع إلى الموصل متصلة . ومن هنا ينتثر انتظام الحاج في المشي فينبسط كل في طريقه متقدما ومتأخرا ، وبطيئا ومستعجلا ، آمنا مطمئنا . فرحلنا منها قريب العصر ، وتمادى سيرنا إلى المغرب ، ونزلنا آخذين غفوة سنة خلال ما تتعشى الإبل . ورحلنا قبل نصف الليل وأدلجنا إلى الصباح .
هامش
( 1 ) أسأد : سار الليل كله ، والمصدر إساد - كما سيمر لاحقا .