تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
لهذا القاضي جمال الدين ، في أمر هذه الشهادة الزورية مقام من التوقف والتحري ، حمده له أهل التحصيل وشكره عليه ذوو العقول . وحق لهم ذلك ، فإنها مناسك الحج للمسلمين عظيمة ، أتوا لها من كل فج عميق . فلو تسومح فيها بطل السعي ، وفال الرأي ، واللّه يرفع الالتباس والبأس بمنه . فلما كانت ليلة الجمعة المذكورة ، ظهر الهلال أثناء فرج السحاب وقد اكتسى نورا من الثلاثين ليلة ، فزعقت العامة زعقات هائلة وتنادت بوقفة الجمعة . وقالت : الحمد للّه الذي لم يخيب سعينا ، ولا ضيع قصدنا . كأنهم قد صح عندهم أن الوقفة إذا لم تكن توافق يوم الجمعة ليست مقبولة ، ولا الرحمة فيها من اللّه مرجوة مأمولة ؛ تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . ثم إنهم يوم الجمعة المذكور اجتمعوا إلى القاضي فأدوا شهادات بصحة الرؤية تبكي الحق وتضحك الباطل ، فردها وقال : يا قوم حتام هذا التمادي في الشهوة ، وإلام تستنون في طرق الهفوة ؟ وأعلمهم أنه قد استأذن الأمير مكثرا في أن يكون الصعود إلى عرفات صبيحة يوم الجمعة فيقفوا عشية بها ، ثم يقفوا صبيحة يوم السبت بعده ويبيتوا ليلة الأحد بمزدلفة ، فإن كانت الوقفة يوم الجمعة فما عليهم في تأخير المبيت بمزدلفة بأس ، إذ هو جائز عند أئمة المسلمين ، وإن كانت يوم السبت فبها ونعمت . وأما أن يقع القطع بها يوم الجمعة فتغرير بالمسلمين وإفساد لمناسكهم ، لأن الوقفة يوم التروية عند الأئمة غير جائزة ، كما أنها عندهم جائزة يوم النحر . فشكر جميع من حضر للقاضي هذا المنزع من التحقيق ودعوا له ، وأظهر من حضر من العامة الرضى بذلك وانصرفوا عن سلام ، والحمد للّه على ذلك . وهذا الشهر المبارك هو ثالث الأشهر الحرم ، وعشره الأولى مجتمع الأمم وموسم الحج الأعظم ، شهر العج والثج « 1 » ، وملتقى وفود اللّه من كل أوب وفج ، مصاب « 2 » الرحمة والبركات ، ومحل الموقف الأعظم بعرفات ، جعلنا اللّه ممن فاز فيه بالحسنات ، وتعرى به من ملابس الأوزار والسيئات ، بمنه وكرمه ، إنه أهل التقوى ، وأهل المغفرة .
هامش
( 1 ) العج : ارتفاع الأصوات بالتهليل والتكبير . والثج : فيض الدمع من شدة التأثر . ( 2 ) مصاب ( بتشديد الباء ) : جمع مصب ( من الصب : السكب ) .