تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
وكانت رحلته الثانية إلى بيت المقدس ، بعد أن استردها صلاح الدين وحررها من الصليبيين . وفي هذه الرحلة ، خرج من غرناطة في التاسع من ربيع الأول سنة 585 ه / 1189 م وعاد إليها سنة 587 ه / 1191 م . وبمناسبة فتح بيت المقدس ، مدح صلاح الدين بقصيدة يقول فيها :
أطلت على أفقك الزاهر * سعود من الفلك الدائر
ثم قام برحلة ثالثة إلى الحجاز ، ملتمسا العزاء إثر وفاة زوجته . وكانت هذه آخر رحلاته ، إذ جاور بمكة حينا من الزمن ثم في بيت المقدس ، وتجول في ربوع مصر حتى استقر أخيرا في الإسكندرية منصرفا للتدريس إلى أن وافته المنية هناك في التاسع والعشرين من شعبان سنة 614 ه / 1217 م . وسواء كان سفره في البر أو البحر ، فإن شغف الكاتب الأصيل في رصد أهوال الطريق ومباهجها وأحوال الجو وتقلباته لا يفارقه أبدا . ونراه طوال سنوات الرحلة مواظبا على صلاته في أوقاتها ، مستمسكا بالعروة الوثقى لا انفصام لها ، حريصا على دينه ، مقتديا بالسلف الصالح ومناقبهم ، مستنكرا كل زيغ أو انحراف طرأ على معتقدات الناس وعاداتهم وتصرفاتهم . فهو يقوم بمهمة المصلح الاجتماعي ، ولا يضن بحمل رسالته في التنديد بكل منكر أملا في إشاعة الفضيلة وحسن المعاملة بين الناس . لكن القارئ لا بد أن يشعر بفيض من الأسى والعتب على أجدادنا الذين لم يحافظوا على كثير من تلك الآثار المقدسة التي دونها ابن جبير بحرص ومحبة واستفاضة ، وقد ضاعت مع الأيام ولم يبق منها غير ألق الذكرى ، بينما نرى أعداءنا يتخذون من أساطيرهم الخرافية صروحا لا يجرؤ أحد على المساس بها أو الإساءة إليها . رافق ابن جبير في رحلة الحج هذه أحمد بن حسان ، ويكنى بأبي جعفر ، وكان مولده ومنشؤه في غرناطة . وقد اشتغل بصناعة الطب وأجاد في علمها وعملها وخدم المنصور بطبّه ، وتوفي بمدينة فاس . وله كتاب ( تدبير الصحة ) ألفه للمنصور .