لأولئك المندوبين منازل ينزلونها معدّة لهم لئلا ينزلوا على أهل البلدة فيثقلوا عليهم ، وتزاح عللهم في أرزاقهم لئلا يتعدّوا على مال أحد ولا على طعامه ولا على ثماره ولا على ما شيته .
وليكن وكد الأمير أن لا يغفل منع من أراد إيقاع شرّ أو عصبيّة بين الطّوائف المذكورة ، بين الجند البلديّ والجند المندوب فيعاقبه ويخرجه عن البلد ولا بدّ . ولا يميل بعصبيّة إلى طائفة دون أخرى ، فهذه طريقة البقاء والسّلامة ، وفي تعدّيها الدّمار الشّامل والهلاك العاجل .
ويكثّر في كل ثغر الأدلّاء الثّقات ، ولا يكونوا إلا مسلمين ولا بدّ .
[ الاهتمام بالتجسس وطرد الجنود غير الأكفاء ]
ويكثّر من الجواسيس ، وإن أمكن أن لا يكونوا إلّا كفارا فهو أولى مثل تجار اليهود ومسافري النّصارى لأنّها مرتبة غدر لا عزّ فيها فينبغي أن يصان المسلمون عنها ، ولكن يجري عليهم أرزاقا يغنون بها عن التصرّف للمعاش في غير ذلك الطريق ، ولا يسقط عنهم الجزية ، ويستظهر في معرفة صدقهم من كذبهم بأن يكونوا جماعة كبيرة لا يعرف بعضهم بعضا ، وهذا كلّه بخلاف الأدلاء ، لأنهم - نعني الأدلاء - ينبغي أن يكونوا مكرّمين لأنّهم يشاورون في العظائم ، وينبغي أن تجرى عليهم الأرزاق الواسعة ، ويكون الجند كله [ س 48 ] مزاح العلل ، متى دعوا النّفير أسرعوا للوقت ولم يترددوا ، ويعترض والي الثّغر جنده إن أمكن في كلّ جمعة ، وإلّا مرّتين في الشهر ، ويعترض سلاحهم وخيلهم ، فمن رآه مقصّرا في استجادة الفرس والسّلاح حرمه عطاءه ، فإن ازدجر وإلّا أسقطه وألحق غيره مكانه ، ومن رآه مهتبلا لفرسه وسلاحه أكرمه وأعانه على ذلك .
وينبغي أن يطرح من الجند كلّ مهذار وكلّ محرّك لأطماعهم وكلّ مستزيد لا يقنع وكلّ جبان .