تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
يمكن ملاحظة عودة مباشرة للمصادر المحلية في التوبونيميا الجهوية ، لكن هناك كذلك تسميات جديدة تعبّر عن قطيعة وتتجلى في بروز ألفاظ عربية أو تعبيرات جغرافية مجلوبة من المشرق . فمهما كانت رابطة الهوية بين مضمون مفاهيم المغرب والموريطانيات ، فالحقيقة إلى حدّ ما أن هذه الألفاظ لا تستطيع أن تصل إلّا بالصدفة ، فاللفظ الأوّل له منحى جغرافي والثاني يشير لمفهوم إداري قاعدته عرقية . فمع العرب نجد خاصة كلمة سوس ، قريبا كان أم بعيدا ، فعوّض لفظ موريطانيا . كذلك انقرضت تسمية بيزاسان ولم تترك سوى هيكل بمعنى تركت عبارة جديدة أصولها عربية محضة ، فعوضتها بصفة تدريجية كلمة ساحل وهي تشير إلى الشريط الساحلي للمقاطعة القديمة « 1 » . نذكر أيضا تسمية جديدة وهي جزيرة شريك ( شبه جزيرة الوطن القبلي حاليا ) ، إذ أتت تسمية المكان نسبة لشريك العبسي الذي قد يكون بطل فتح هذه المنطقة . وتتمثل الظاهرة الأكثر دلالة في التخلّي الكلّي عن اسم نوميديا الذي حل محله لفظ الزاب . فهذه التسمية الأخيرة ذات الجذور البابلية أو الفارسية المعرّبة استخدمت لتعني نهر الزّاب في وادي الرافدين ، ثم استعملت في أرض المغرب لتدلّ على وادي أوراس الأعلى وما جاوره ، ويشير إذا بصفة أساسية لنوميديا الجنوبية « 2 » ، ثم استخدم ليعني كامل المقاطعة القديمة . تغطّي هذه التحوّلات التوبونيمية خطوطا جديدة لحقيقة تعبّر عنها بالضرورة . ففي هذه التحوّلات لعبت نوائب الغزو دورا في فرض نظرة معيّنة لدى الغزاة . لذلك فإنّ الشريط الشرقي - الأوراسي الذي انتصب كحاجز مقاومة رهيب ، برز حينا كقسم من الإقليم وحينا آخر كأنه الإقليم كلّه ، غير أن مفهوم نوميديا لم يعد من الممكن أن يكون سوى إحياء
هامش
( 1 ) ليفيسكي ( ت ) ، « وثيقة إباضية غير محققة لنفوسة الغرب بالساحل التونسي في القرن الثامن والتاسع » ، مجلة فوليا أريونتالا ، ج 1 ، القسم الثاني ، 1955 ، ص 183 - 184 ؛ ابن الرقيق القيرواني ، تاريخ ، تونس 1966 ، القسم 26 ، يتحدّث عن عرب الساحل . ( 2 ) ياقوت الحموي ، معجم ، م . س ، ج 3 ، ص 123 ، 124 .
تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 54 | هشام جعيط