تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
الاستقلالية متوقّفة كثيرا على شخصية صاحب اللّقب . غير أنّه ومهما كان الأمر فإنّ القاضي معتبر كموظّف سام للسلطة ويعيّنه صاحب الحكم السياسي ، فهو مرتبط شاء أم أبي بالنّظام القائم . رغم ذلك فإنّ قامته أكبر لأنّ الوظيفة العدلية تفترض الموضوعية والتّسامي عن الضغوطات وقدرا من النزاهة ، وهي مرتبطة في الحضارة الإسلامية بسلطة الدّين أي القرآن ثم السنّة والفقه أي بالمركّب دين / علم . ولكلّ ذلك هيبة واحترام في نفوس النّاس . ولذا ، قد يحدث أن يفوّض له الأمير صلاحياته ، كما يحدث في فترات الاضطراب والفتنة أن يفرض سلطته على الجميع وفي حالة شغور الحكم أن يظهر بمظهر زعيم الجماعة والمدافع عن حرمتها ، كما فعل ذلك أبو كريب في سنة 139 - 140 ه حيث أخذ قيادة المعركة ضد الخوارج على أبواب القيروان « 1 » . إنّ وجود مثل هذا التقليد السياسي والعسكري ضمن القضاء الإفريقي يعود في جانب كبير منه إلى وعي حادّ عند هؤلاء بكونهم يتقمّصون سلطة روحية انبنت شيئا فشيئا . وهذا ما يفسّر الدّور الذي قام به بعد ذلك أسد بن الفرات ، وهذا الدّور يطبع القضاء الإفريقي بصفة خاصّة وأكثر ممّا يجري عليه ذلك في الشرق . ودون شك ، كان القضاة في القرن الثاني منخرطين في سلك العلم ومؤتمنين على ومنفّذين للشريعة الإلهية . وهكذا نتصوّر بسهولة أنّهم تأثّروا بتيار الزّهد والورع الذي نحت الحساسية الدينية لزمانهم وفيما بعد زمانهم وأنه وجد نزوع ، هنا كما في الشرق ، إلى الهروب من القضاء إمّا تورّعا من الاختلاط بدنس السّلطة وإمّا كموقف خاصّ بفئة اجتماعية تصبو إلى زرع الهيبة في صدور الشّعب . وترسّخت هذه النزعة في العهد الأغلبي ، لكنّ جذورها كانت موجودة من قبل . ولقد مثّل فعلا ابن فرّوخ بامتياز هذا الموقف الإسلامي
هامش
( 1 ) المالكي ، رياض ، ص 107 - 110 : قاوم عاصم بن جميل .
تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 125 | هشام جعيط