تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ نجد ( روضة الأفكار والأفهام ) — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧

تفسير سورة الناس

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وأما قوله :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
فقد تضمنت أيضا ذكر ثلاثة أمور : الأول - الاستعاذة ، وقد تقدمت . الثاني - المستعاذ به . والثالث - المستعاذ منه . فأما المستعاذ به فهو اللّه وحده ، لا شريك له ، ربّ الناس ، الذي خلقهم ويرزقهم ، ودبّرهم وأوصل إليهم مصالحهم ومنع عنهم مضارهم .
« مَلِكِ النَّاسِ »
أي : المتصرف فيهم ، وهم عبيده ومماليكه ، المدبر لهم كما يشاء ، الذي له القدرة والسلطان عليهم ، فليس لهم ملك يهربون إليه إذا دهمهم أمر سواه ، يخفض ويرفع ، ويصل ويقطع ، ويعطى ويمنع .
« إِلهِ النَّاسِ »
أي : معبودهم الذي لا معبود لهم غيره ، فلا يدعى ولا يرجى ولا يخلق إلا هو ، فخلقهم وصوّرهم وأنعم عليهم وحماهم مما يضرّهم بربوبيته ، وقهرهم وأمرهم ونهاهم وصرّفهم كما يشاء بملكه ، واستعبدهم بإلهيته الجامعة لصفات الكمال كلها . وأما المستعاذ منه فهو الوسواس . وهو الخفىّ الإلقاء في النفس ، إما بصوت خفىّ لا يسمعه إلا من ألقى إليه ، وإما بغير صوت كما يوسوس الشيطان إلى العبد وأما
« الْخَنَّاسِ »
فهو الذي يخنس ويتأخر ويختفى ، وأصل الخنوس : الرجوع إلى وراء ، وهذان وصفان لموصوف محذوف وهو : الشيطان ، وذلك أن العبد - إذا غفل - جثم على قلبه ، وبذر فيه الوساوس التي هي أصل الشر . فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به - خنس . قال قتادة : الخنّاس له خرطوم كخرطوم الكلب ، فإذا ذكر العبد ربه خنس ، ويقال رأسه كرأس الحية يضعه على ثمرة القلب يمنّيه ويحدّثه ، فإذا ذكر اللّه خنس . وجاء بناؤه على الفعل الذي يتكرر منه ، فإنه كلما ذكر اللّه انخنس ، وإذا غفل عاد .