إن أحمد بن أبي دؤاد حضره عند موته وغمضه ، وقيل : إنه لما حضرته الوفاة جعل يردد هاتين البيتين :
الموت فيه جميع الناس مشترك * لا سوقة منهم تبقى ولا ملك
ما ضر أهل قليل في تفاقرهم * وليس يغنى عن الأملاك ما ملكوا
وأمر بالبسط فطويت ، وألصق خده بالأرض وجعل يقول : يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه « 1 » .
ولما مات صلى عليه أحمد بن أبي دؤاد ، وأنزله في قبره ، وقيل : صلى عليه أخوه المتوكل ودفن بالهارونى بطريق مكة .
وكان مولده بطريق مكة ، وأمه أم ولد اسمها : قراطيس ، ولما اشتد مرضه أحضر المنجمين - منهم الحسن بن سهل - فنظروا في مولده ، فقدروا له أن يعيش خمسين سنة مستأنفة من ذلك اليوم ، فلم يعش بعد قولهم إلا عشرة أيام ومات .
وكان أبيض مشربا بحمرة جميلا ربعة حسن الجسم قائم العين اليسرى ، فيها نكتة بياض ، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام ، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة ، وقيل : ستا وثلاثين سنة « 2 » .
وفي هذه السنة أصاب الحجاج في العود عطش عظيم فبلغت الشربة عدة دنانير ، ومات منهم خلق كثير .
وفيها أمر الواثق بترك جباية أعشار البحر .
وفيها كثرت الزلازل في المغرب ، وكانت زلزلة بدمشق هدمت منها المنازل والدور ، ومات خلق من الناس ، وكذلك بحمص ، وعظم ذلك في قرى أنطاكية والموصل .
وفيها غرق كثير من الموصل ، وهلك فيها خلق قيل : كانوا نحو مائة ألف إنسان ؛ وكان سبب ذلك أن المطر جاء بها عظيما لم يسمع بمثله ، بحيث إن بعض أهلها جعل سطلا عمقه ذراع في سعة ذراع ، فامتلأ ثلاث دفعات في نحو ساعة ، وزادت دجلة زيادة عظيمة ، فركب الماء الربض الأسفل وشاطئ نهر سوق الأربعاء ، فدخل كثيرا من الأسواق ، فقيل :
إن أمير الموصل - وهو غانم بن حميد الطوسي - كفن ثلاثين ألفا ، وبقي تحت الهدم خلق كثير لم يحملوا سوى من حمله الماء « 3 » .
هامش
( 1 ) ينظر : الكامل ( 7 / 29 ) .
( 2 ) ينظر : الكامل ( 7 / 30 ، 31 ) .
( 3 ) ينظر : الكامل ( 7 / 35 ) .