أخبرني محمد بن المبارك عن عمر بن بشر قال : حدثنا سفيان بن عيينة قال : دعانا هارون فدخلنا عليه ، ودخل الفضيل بن عياض آخرنا مقنعا رأسه بردائه ، فالتفت إلى فقال : يا سفيان ، أيهم أمير المؤمنين ؟ قلت : هذا ، قال : أنت هو يا حسن الوجه الذي تقلدت أمر هذه الأمة في عنقك ؟ لقد تقلدت أمرا عظيما . قال : فبكى هارون وبكى الفضيل ، ثم أتى كل واحد منا ببدرة فوضعت بين يديه ، فكلنا حمل بدرته إلا الفضيل ، فقال له هارون : يا أبا على ، لا لا تستح « 1 » أن تأخذ منا ، خذها فأعطها مديونا وأشبع بها جائعا ، واكس بها عريان ، أو فرج بها عن مكروب » قال : « ولا هذا ، أعفني منه يا أمير المؤمنين » قال سفيان : فلما خرجنا قلت : يا أبا على أخطأت اليوم ، قال : وكيف ؟ قلت :
هذا خطأ ؛ إذ لم تقبلها . فألا أخذتها فقضيت عن مديون وأشبعت جائعا ؟ قال سفيان :
فأخذ أطراف لحيتي فقال : « يا أبا محمد ، أنت فقيه البلد والمنظور إليه ، تغلط هذا الغلط ، لو طابت لأولئك طابت لي » ، قال سفيان : فصغرت عند ذلك نفسي . والوالي على صلاة الموصل وحربها وأعمالها يحيى بن سعيد الحرشي « 2 » والناس معه في شدة وعسف وظلم - فيما ذكر مشايخنا عمن تقدمهم . وبلغني مع ذلك أن الطريق قطع في أقصى عمله ، فغلق دار الخراج وامتنع من الجباية حتى أحصر اللصوص . وليحيى بن سعيد الحرشي قصر في لحف سور نينوى قريب من الكار الأعلى يعرف بقصر الحرشي خراب .
وعرفت أن نفرا بالموصل من ولده حاكاه وهو من أهل خراسان ، وقد مر بي ذكر نفر من العمال يعرفون بالحرشيين ، وأرى حرشا قرية أو رستاقا هناك . وعلى قضاء الموصل عبد الله بن الخليل الكرجى .
ودخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة « 3 »
فيها عاد هارون من مكة إلى الرقة ، وعقد لابنه عبد الله المأمون بعد محمد الأمين بالعهد ، وأخذ له البيعة بذلك على الجند ، وأنفذه إلى بغداد ، ومعه عبد الملك بن صالح ، وجعفر بن يحيى « 4 » فبويع له ببغداد حين قدمها ، وولاه هارون خراسان ، وما يتصل بها
هامش
- ثم صدر معجلا ، وتخلف عنه يحيى بن خالد ثم لحقه بالغمرة ، فاستعفاه من الولاية فأعفاه ، فرد إليه الخاتم ، وسأله الإذن في المقام فأذن له ، فانصرف إلى مكة .
( 1 ) في المخطوطة : لا تستحى .
( 2 ) في المخطوطة : يحيى بن سعيد الحرسى ، وهو تحريف .
( 3 ) انظر حوادث هذه السنة في : تاريخ الطبري ( 8 / 269 ) ، الكامل ( 6 / 161 ) .
( 4 ) في تاريخ الطبري ( 8 / 269 ) : جعفر بن أبي جعفر المنصور .