وفيها اعتمر هارون شكرا لله على ما أولاه في الوليد بن طريف ، فلما قضى عمرته انصرف إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحج ثم حج بالناس ، فمشى من مكة إلى منى ، ثم انصرف على طريق البصرة - على ما قالوا - فأما الواقدي فقرأت في روايته أنه لما فرغ من عمرته أقام بمكة فأقام للناس حجهم . وهو الوليد بن طريف بن فارس بن عامر بن صيفي ابن حي بن عمرو بن بكر بن حبيب بن غنم بن عمرو بن تغلب . وغلى صلاة الموصل وحربها محمد بن عباس الهاشمي ، وعلى الخراج منجاب « 1 » والعطاف بن سفيان غالب على الأمر كله - على ما ذكروا - وعلى قضاء الموصل إسماعيل بن زياد .
هامش
- شديدة ، فاسترها .
وقال لأصحابه : فداكم أبى وأمي إنما هي الخوارج ولهم حملة فاثبتوا فإذا انقضت حملتهم فاحملوا عليهم ؛ فإنهم إذا انهزموا لم يرجعوا . فكان كما قال ؛ حملوا عليهم حملة فثبت يزيد ومن معه من عشيرته ثم حمل عليهم فانكشفوا ، فيقال : إن أسد بن يزيد كان شبيها بأبيه جدا ، لا يفصل بينهما إلا ضربة في وجه يزيد تأخذ من قصاص شعره منحرفة على جبهته فكان أسد يتمنى مثلها ، فهوت إليه ضربة فأخرج وجهه من الترس فأصابته في ذلك الموضع . فيقال : لو خطت على ضربة أبيه ما عدا ، واتبع يزيد الوليد بن طريف فلحقه فاحتز رأسه ، فقال بعض الشعراء :وائل بعضهم يقتل بعضا * لا يفل الحديد إلا الحديدفلما قتل الوليد صبحتهم أخته ليلى بنت طريف مستعدة عليها الدرع ، فجعلت تحمل على الناس فعرفت فقال يزيد : دعوها . ثم خرج إليها فضرب بالرمح قطاة فرسها ثم قال اعزبى عزب الله عليك ؛ فقد فضحت العشيرة . فاستحيت وانصرفت وهي تقول ترثى الوليد :بتلّ تباثا رسم قبر كأنّه * على علم فوق الجبال منيف
تضمن جودا حاتميا ونائلا * وسورة مقدام وقلب حصيف
ألا قتل الله الجثى كيف أضمرت * فتى كان بالمعروف غير عفيف
فإن يك أرداه يزيد بن مزيد * فيا رب خيل فضها وصفوف
ألا يا لقومي للنوائب والردى * ودهر ملح بالكرام عنيف
وللبدر من بين الكواكب قد هوى * وللشمس همت بعده بكسوف
فيا شجر الخابور مالك مورقا * كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى * ولا المال إلا من قنا وسيوف
ولا الخيل إلا كل جرداء شطبة * وكل حصان باليدين عروف
فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني * أرى الموت نزالا بكل شريف
فقدناك فقدان الربيع فليتنا * فديناك من دهمائنا بألوفوقال مسلم بن الوليد في قتل الوليد ورفق يزيد قتاله من قصيدة هذه الأبيات :يفتر عند افترار الحرب مبتسما * إذا تغير وجه الفارس البطل
موف على مهج في يوم ذي رهج * كأنه أجل يسعى إلى أمل
ينال بالرفق ما يعيا الرجال به * كالموت مستعجلا يأتي على مهلوهي حسنة جدا .
ينظر : الكامل ( 6 / 141 - 143 ) .
( 1 ) في المخطوطة : بنجاب ، وهو تحريف .