أخبرني محمد بن المبارك عن مسعود بن عمرو قال : حدثني جدى أبو الحي « 1 » العبسي قال : قال لي مروان بن أبي حفصة : لما قلت :
أنى يكون وليس ذاك بكائن * لبنى البنات وراثة الأعمام
أمر لي الرشيد بسبعين ألفا « 2 » . قال : كان في أيام الرشيد شيخ من أهل خراسان نظيف أديب يؤذن في مسجد ويؤم أهله ، فكان إذا حضر الورد دفع المفتاح إلى أهل المسجد وانغمس في لهوه وقصفه ، فيتغنى :
يا صاحبي اسقيانى * من قهوة « 3 » خندريس « 4 »
على تحيات ورد * يذهبن هم النفوس
لا تنظرانى فهذا * أوان حث الكئوس
خذا من الورد حظا * للقصف غير خسيس
فبادرا قبل فوت * لا عطر بعد عروس
فلا يزال ذلك دأبه إلى انقضاء الورد ، فإذا انقضى عاد إلى مسجده وأذانه وصلاته وقال :
تبدلت من ورد جنى ومسمع * سخى ومن لهو وشرب مدام
وأنسى بمن أهوى وصحب أعلهم * بكأس ندامى كالشموس كرام
هامش
- الأمصار ، فاغتم الرشيد لذلك فندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألفا ومعه صناديد القواد وولاه جرجان وطبرستان والري وغيرها ، وحمل معه الأموال ، فكاتب يحيى بن عبد الله ولطف به وحذره ، وأشار عليه وبسط أمله .
ونزل الفضل بالطالقان بمكان يقال له : أشب ، ووالى كتبه إلى يحيى ، وكاتب صاحب الديلم وبذل له ألف ألف درهم ؛ على أن يسهل له خروج يحيى بن عبد الله ، فأجاب يحيى إلى الصلح ؛ على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطه ، يشهد عليه فيه القضاة والفقهاء وجلة بني هاشم ومشايخهم ؛ منهم : عبد الصمد بن علي ، فأجابه الرشيد إلى ذلك ، وسر به وعظمت منزلة الفضل عنده ، وسير الأمان مع هدايا وتحف ، فقدم يحيى مع الفضل بغداد ، فلقيه الرشيد بكل ما أحب ، وأمر له بمال كثير ، وأجرى له أرزاقا سنية وأنزله منزلا سريا .
ثم إن الرشيد حبسه فمات في الحبس ، وكان الرشيد قد عرض كتاب أمان يحيى على محمد بن الحسن الفقيه ، وعلى أبى البختري القاضي فقال محمد : الأمان صحيح فحاجه الرشيد ، فقال محمد : وما يصنع بالأمان لو كان محاربا ؟ ! ثم ولى ، وكان آمنا ، وقال أبو البختري : هذا أمان منتقض من وجه كذا ، فمزقه الرشيد .
ينظر : الكامل ( 6 / 125 - 126 ) .
( 1 ) في المخطوطة : الحق ، وهو تحريف ، والتصحيح من تاريخ الطبري ( 8 / 181 ) .
( 2 ) ذكر الطبري ( 8 / 181 - 182 ) ، أن مروان بن أبي حفصة أنشد هذا البيت للمهدى لا للرشيد .
( 3 ) القهوة : الخمر .
( 4 ) الخندريس : الخمر القديمة ، قال ابن دريد : أحسبه معربا ، سميت بذلك لقدمها .
ينظر : لسان العرب ( 6 / 73 ) .