عليه المنصور ، وأصابه فكر شديد ، فقيل له : انظر إلى الخضرة واستمع إلى خرير الماء ، فاتخذ مجلسا على رحى الطريق « 1 » وكان يجلس فيه ، فنظر يوما إلى رجل قد ورد الماء ونزع خفيه وتأهب للصلاة فأمر الربيع بإصعاده إليه ، فقال له المنصور : ممن الرجل ؟
قال : « من أهل الكوفة » ، قال : « إن على ذلك لشاهدا من فعلك ، وهو نزعك خفيك عند طهورك » قال : « يا أمير المؤمنين صدق الله ظنك لست حيث أو مأت ولكن لبست خفى على غير طهور » قال : فما أقدمك هذا البلد ؟ قال : « كنت أخدم جعفرا « 2 » أيام دخوله الكوفة ، وأجلب إليه فوائد المشايخ ، فقدمت فوجدته قد قضى نحبه - رضي الله عنه - فبكى المنصور ، فقال له الرجل : إذا جزعت يا أمير المؤمنين عند المصيبة وأنت الإمام فمن الصابر ؟ وإذا أهملت شكر العطية - ولك القدرة - فمن الشاكر ، عليكم نزل القرآن ، وأنتم أعلم بفرائضه ، ومنكم كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وأنتم أعلم بسنته ، لسنا نذكرك ما تنسى ولا نعلمك ما تجهل ، فيشغلك ما قد نزل بجعفر عما قد أقبل إليك من أمر الله تعالى » ، قال : فأمر له بألف درهم .
وفي هذه السنة مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت ، وذكروا أنه مات ساجدا ، ومولده سنة ثمانين ، ومات ابن جريج : عبد الملك « 3 » بن عبد العزيز بن جريج ويكنى أبا الوليد ، وذكروا أنه مولى خالد بن أسيد .
وعلى قضاء الموصل لأبى جعفر الحارث بن الجارود العكلي .
وأقام الحج فيها للناس عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، وخطب على منبر خطب عليه يزيد بن معاوية ، وهما في العقد وإلى عبد مناف بمنزلة ، وبينهما في السن مائة ونيف وعشرون « 4 » سنة .
ودخلت سنة إحدى وخمسين ومائة « 5 »
فيها ولى المهدى « 6 » عمر بن حفص بن عثمان بن أبي حفص بن أبي صفرة إفريقية ، فقدمها « 7 » . واستعرض أبو حاتم الإباضى أصحابه على رزقهم فوجدهم ثلاثمائة ألف
هامش
( 1 ) رحى الطريق : قطع من الأرض غلاظ دون الجبال تستدير وترتفع عما حولها .
ينظر : لسان العرب ( 14 / 313 ) .
( 2 ) في المخطوطة : جعفر .
( 3 ) في المخطوطة : ابن جريج بن عبد الملك ، والتصحيح من المنتظم ( 8 / 124 ) .
( 4 ) في المخطوطة : وعشرين .
( 5 ) انظر حوادث هذه السنة في : تاريخ الطبري ( 8 / 33 ) ، والكامل ( 5 / 595 ) ، والمنتظم ( 8 / 145 ) .
( 6 ) في تاريخ الطبري ( 8 / 33 ) ، أن الذي ولاه أبو جعفر المنصور .
( 7 ) قال ابن الأثير في الكامل ( 5 / 598 - 601 ) :