قال : ويحك ويصلح لنا بعد ما أتينا إليه ؟ قال : « نعم يا أمير المؤمنين وأنا الضامن له » ، قال : فهو - والله - لها فليحضر غدا ، فأحضره وصفح له عن الثلاثمائة ألف وعقد له .
قال يحيى بن خالد : فمررنا بالزاجر فلما رآني قال : « أنا هاهنا أنتظرك من غدوة » قلت :
« امض فمضى معنا فدفعت إليه خمسة آلاف درهم ، قال : وأرسلني أبى إلى عمارة بن حمزة بالمائة ألف درهم فردها عليه وقال : يا بنى يلزمه حقوق وتنوبه نوائب فأته فأقرئه منى السلام وقل له : إن الله قد وهب رأى أمير المؤمنين وصفح لنا عما بقي علينا وولاني الموصل ، وقد أمر برد ما استسلفته منك ، قال : فأتيته فوجدته على مثل تلك الحال التي لقيته عليها ، فسلمت عليه فما رد على السلام ، وما زادنى على أن قال : كيف أبوك ؟
قلت : بخير وهو يقرئك السلام ويقول : « كذا وكذا » فاستوى جالسا ثم قال لي : « ما كنت إلا قسطارا « 1 » لأبيك يأخذ منى إذا شاء ، ويرد على إذا شاء ! قم عنى لا قمت » قال :
فرجعت إلى أبى فأعلمته ، قال : « يا بنى هو عمارة ، من لا يعترض عليه » « 2 » .
قال : ولم يزل خالد على الموصل إلى أن مات المنصور ، ويحيى على أذربيجان ، وعمارة بن حمزة هذا أحد البلغاء والكتاب ، وكان رفيع المنزلة عند الخلفاء والوزراء ، وبلغني أنه من ولد أبى لبابة « 3 » مولى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم .
أخبرني محمد بن المبارك عن بعض أصحابه عن أبي أحمد بن محمد بن سوار الموصلي قال : « ما هبنا أحدا قط هيبتنا لخالد بن برمك - من ولاتنا - من غير أن تشتد
هامش
( 1 ) القسطار : منتقد الدراهم . وفي التهذيب : الجهبذ . بلغة أهل الشام وهم القساطرة .
ينظر : لسان العرب ( 5 / 93 ) .
( 2 ) هذه الحادثة التي ذكرها المصنف من ولاية خالد البرمكي الموصل ، إنما كانت سنة ثمان وخمسين ومائة ، انظر : تاريخ الطبري ( 8 / 54 ) ، الكامل ( 6 / 15 ) ، وقد سبق لخالد البرمكي أن ولى الموصل بعهد من المنصور سنة ثمان وأربعين لسبب قريب مما ذكره المصنف ؛ قال ابن الأثير في أحداث سنة ثمان وأربعين ومائة :
« وفيها استعمل المنصور على الموصل خالد بن برمك ، وسبب ذلك أنه بلغه انتشار الأكراد بولايتها وإفسادهم ، فقال : من لها ؟ فقالوا : المسيب بن زهير ، فأشار عمارة بن حمزة بخالد بن برمك ، فولاه وسيره إليها وأحسن إلى الناس وقهر المفسدين وكفهم ، وهابه أهل البلد هيبة شديدة مع إحسانه إليهم » .
انظر : الكامل ( 5 / 585 ) .
ويغلب على ظني أن المصنف قد خلط بين ولاية خالد البرمكي الموصل سنة ثمان وأربعين ومائة ، وولايته الثانية سنة ثمان وخمسين ومائة ، فأورد تفاصيل الولاية الثانية في أحداث سنة ثمان وأربعين ومائة .
( 3 ) في المخطوطة : أبى لبانة ، وهو تحريف .