تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
وقد خرجت بذكر هذين الملكين عن المقصود الذي أردناه لكن لمصلحة عظيمة ، وهي إقامة الحجة على المتأخرين من الملوك ، فإنهم يستبعدون من أنفسهم طريقة الخلفاء الراشدين ومن حذا حذوهم من الأئمة السابقين ، ويقولون : نحن في الزمن الأخير ، وما لأولئك من نظير ! ! فقد أظهر اللّه تعالى الحجة عليهم بمن هو في عصرهم ، من بعض ملوك دهرهم ، فلن يعجز عن التشبيه بهما أحد إن وفقه اللّه الكريم وسدده . وكان الملك العادل الكامل نور الدين ملكا عادلا زاهدا عابدا ورعا ، متمسكا بالشريعة ، مائلا إلى أهل الخير مجاهدا في سبيل اللّه تعالى ، وكان مواظبا على الصلوات في الجماعات ، عاكفا على تلاوة القرآن ، عفيف البطن والفرج ، مقتصدا في الإنفاق ، متحريا في المطاعم والملابس ، لم تسمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في ضجره ، وأشهى ما إليه كلمة حق يسمعها ، أو إرشاد إلى سنّة يتبعها . وقال أبو الحسن ابن الأثير « 1 » : وقد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام ، وفيه إلى يومنا هذا ، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين . وكان كثير الصدقات ، بنى المدارس بجميع بلاد الشام الكبار ، مثل دمشق وحلب وحماة وحمص وبعلبك ، وبنى أيضا سور بعلبك ، وكمّل بناء سور المدينة « 2 » الشريفة النبوية ، وهو سورها الموجود اليوم « 3 » ، واسمه مكتوب على باب البقيع ، رحمه اللّه . وأجرى العين التي تحت جبل أحد وأظنها عين الشهداء ، فإن العين التي أجراها معاوية مستبطنة للوادي وقد دثرت ، ورسومها موجودة إلى اليوم ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) انظر : « الكامل في التاريخ » لابن الأثير 9 / 124 . ( 2 ) لمزيد المعرفة ببناء سور المدينة ، انظر : رسائل في تاريخ المدينة / الرسالة ( 2 ) ، نشرها حمد الجاسر . ( 3 ) يعني إلى حياة المؤلف ، وقد جدد السور بعد ذلك . انظر المصدر السابق .