وأراد أن يعرف القلب بعنان الكمال عن اقتناء أثر ذلك الطيف بأن يعيب على ذلك الجسد الذي أبدعه القدر والذي قد بدا له كي يسكن القلب ، وينشغل بأمور الدنيا فسيطغى تلك النيران المتأججة إلا أنه لم يقدر
قضى الله ما لا أستطيع دفاعه * فما كان لي مما قضى الله عاصم « 1 »
وانتهى به أمر هذه الفكرة إلى النحول والهزال حيث أصبح الملك وفق ما قال الشاعر :
لولا أن الأشعري رآه يوما * لسمى بعده المعدوم شيئا « 2 »
ففكر مع نفسه فرأى أن كتمان هذا الأمر يفر بروحه وأسلمه الهزال إلى الخوف وضاقت قيمة الصبر بالعقل فعزفت على أوتار المشورة ،
شفاني إن فشيت سرى في الهوى * كذلك أسرار الهوى إن فشت شفت
واستدعى رئيس الموابدة وأمر بإخلاء البيت من الغرباء وقال :
تأمل نحو لي والهلاك إذا بدا * لليلته في أفقه أعينا أضنى
على أنه يزداد في كل ليلة * نموا ونفسي بالضنى أبدا تغنى
والموبد بعد التحميد والتمجيد قال للملك ، منذ فترة وقلوب العباد بين مخلب ومنقار العقاب وقد أصابها الحزن والهلع من جراء ما بدا على ذات الملك الثابتة من تغيير ، وبحكم أن القدماء قالوا السؤال عن حال ذات المليك دليل على قصور العقل عند من يعمل في خدمته فلم تخامر هذه الفكرة أحد قط ، فقال الملك في ذلك الوقت منذ فترة كان الفلك قد نزع عن ظهر الدنيا عباءة النهار الأطلس وألبسه لباس الليل الحالك ، وكان وزير الفلك المعروف بالقمر قد خدع مليك الفلك المعروف بالشمس بواسطة الفيل ، وجذب إليه رأسي بنوره في الليل الحالك الديجور فاستسلمت عيني ليمن الطالع إلى النعاس فوق العرش وكما هو معتاد ( " من نام رأى الأحلام « 3 » " ) فانطلقت شرارة من جورة قلبي المتأجج نارا وصعدت مبعدة تطلب المركز الأصلي وركبت قالب التمرد والعقوق حتى بلغت العيوق فتجولت في ساحة عالم الغيب ،
هامش
( 1 ) قضى الله علىّ أمورا لا أستطيع دفعها فمالى ملجأ ولا عاصم إلا إياه . المترجم
( 2 ) وجوده كعدمه .
( 3 ) ورد في الأمثال المولدة لدى الميداني دون تخريج " الميداني - مجمع الأمثال - ج 2 - 328 " المترجم .