الفرقد ، واتخذ الصهلة والصهوة أنعم المنعم وأفعم المرقد ، رقي من الفضل أسمى المراقي ، وأترع دلوه من السودد إلى العراقي ، فخبره قد أخذ من الكمال بالمجامع ، ومخبره تفتر منه ثغور الأماني في وجوه المطامع ، وبيني وبين أبيه في قسطنطينية ، وأنا وإياه عقيدا وداد في بلهنية هنية ، ذمم لا ترفض ، وعصم لا تنقض ، فعهده نقش على صخر ، ووده نسب ملآن من فخر . وأما كماله فقد تجاوز حده منه ما تم له ، فأصابته عين فيما أمّ له ، فأخطأه ما أمله ، فلئن أصلته الأيام بنار نوائبها ، ونفرت عن يده الطولى بذوائبها ، فلولا السبك ما عرف للتبر صرف ، ولولا النار ما عرف للعود عرف . وولده هذا أرجو له حظا وافيا ، وعمرا يكون ما بقي من الكدر صافيا ، فهو للمعالي ملء نواظرها ، وللأماني مطمح مناظرها ، وللدهر فيه عداة إنجازها مضمون ، وآخرها كأولاها من شوائب الزمان مأمون . وقد ذكرت له ما تستجليه بكرا ، وتصقل به روية وفكرا . انتهى مقاله فيه وفي أبيه .
ومن شعره قوله وكتبها إلى الشيخ سعد العمري الدمشقي وهي :
أفاتن بالألحاظ أهل الهوى فتكا * فقد صال في العشاق صار منها فتكا
وكف سهام اللحظ عن مهجتي فقد * هتكت حجاب الصبر عن صدرها هتكا
تركت بقلبي لاعجا وسلبتني * هجوعي فهلا تحسن السلب والتركا
هواك لقد أجرى دموعي صبابة * وصدّك نيران الجفا في الحشا أذكى
رويدك يا من بالهوى قد أذابني * وأنهك جسماني بتبريحه نهكا
ومذ همت لما شمت بارق ثغره * لدرّ غدا الياقوت في نظمه سلكا
أسر الهوى خوف الوشاة ومقلتي * بدر ثنايا الدمع تفضحه ضحكا
وفي هتك سر العاشقين شواهد * ولكن فيض الدمع أكثرهم هتكا
وكان مجال الصبر متسع الحمى * بحلبة صدري فانثنى ضيقا ضنكا
وشاركني كل الأنام بحبه * وتوحيده في القلب لا يقبل الشركا
وقد زان ورد الخدّ في روض حسنه * بنقطة خال قد حكى عرفه المسكا
من الترك يسطو في القلوب بلحظه * فلا تسألوا عن حال من يعشق التركا
رأى غرب جفني سافكا بمدامع * تباري الحيا المدرار فاستوقف النسكا
تملك قلبا من تجنيّه قد عفا * فما ضره بالوصل لو عمرّ الملكا