نثرت عليها من مديحك لؤلؤا * فأهوت أيادي المجد ترصفه رصفا
تمتع بها واستر بعفوك هفوها * فمن دونها الحساد ترمقها طرفا
ودم في عرين العز صدر ليوثه * وكل البرايا منك قد نكبت خلفا
مدى الدهر ما حادت قريحة شاعر * ببيت فحاز الفخر دنياه واستكفى
فلما أنشدتها بين يديه نشط لها وتبجح بها وتحفظ أغلبها وتجزل صلتي عليها ، ومن عهدها لزمته لزوما لا انفكاك معه .
ووقع لي معه محاورات عجيبة من جملتها أني دخلت عليه يوما في وقت الصبوح فرأيته نائما ، فكتبت إليه هذه الأبيات بديهة ووضعتها على وسادته وهي :
أيها الراقد طاب العي * ش فاستحكم فلاحك
قم نباكرها شمولا * تبعث اليوم انشراحك
واصطبح كأس الحميا * أسعد اللّه صباحك
فلما استيقظ دعاني إليه وجلسنا نتفاوض المطارحة والمساجلة ، ثم استغرق بنا الوقت ثلاثة أيام فكان يقول لي : كل بيت بيوم . ودخلت عليه يوما فوجدته منقبضا والفكر قد استوعبه ، وكان إذ ذاك في غاية الانحطاط فأنشدته :
ولو كان عقل النفس في المرء كاملا * لما أضمرت فيما يلم بها هما
فأنشدني على الفور :
وما ذنب الضراغم حيث كانت * وصير زادها فيما يذم
ووقع حريق في داره فاحترق له شيء من الملبوس والكتب ، فكتبت إليه مسليا :
فدى لك ما على الدنيا جميعا * فعش في صحة وابل الربوعا
لئن جزع الأنام لفقد شيء * فلست لفقدك الدنيا جزوعا
تعلمنا الأناءة منك حتى * توطنا بها الشرف الرفيعا
أفاض اللّه جودك في البرايا * وأنبت من أياديك الربيعا
وصورك المهيمن من كمال * لنعلم صنع خالقك البديعا
فمر واحكم بما تختار فينا * تجد كلا كما تهوى مطيعا