تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
البلاء وفجرت النساء مع ما ينضم إلى ذلك من شرب الخمور وفعل المنكرات وأنواع الفساد ، فحانت التفاتة من صاحب الترجمة في بعض الليالي من السطح إلى ذلك فقصده مختفيا وأزاله ، وفي ثاني يوم أمر بإزالة هذا المنكر ونبه على أن لا تفتح الحانات ليلا أبدا ، فطوى بسبب ذلك بساط الفجور وانجلى من ظلمة المعاصي الديجور ، ومن جملة ما رفعه من المظالم بحلب حين توليه لها بدعة الدومان عن حرفة الجزّارين التي أوغرت صدور المسلمين ، وكان حدوثه بها سنة إحدى وستين بعد المائة والألف ، والدومان اسم لمال يجتمع من ظلامات متنوعة يستدان من بعض الناس بأضعاف مضاعفة من الربا ويصرفه متغلبو هذه الحرفة في مقاصدهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة ، وطريقتهم في وفائه أن يباع اللحم بأوفى الأثمان للناس من فقراء أو أغنياء وتؤخذ الجلود والأكارع والرؤوس والكبد والطحال بأبخس ثمن من فقراء الجزارين جبرا وقهرا ، كل ذلك يصدر من أشقياء الجزارين ومتغلبيهم إلى أن هجر أكل اللحم الأغنياء فضلا عن الفقراء وأعضل الداء . واتفق أنه في سنة ست وسبعين كان قاضيا بحلب المولى أحمد أفندي الكريدي فسعى في رفع هذه البدعة ، فلم تساعده الأقدار فباشر بنفسه محاسبة أهل هذه الحرفة الخبيثة ورفعها وكتب عليهم صكوكا ووثائق وسجلها في قلعة حلب ، فلما عزل عاد كل شيء لما كان عليه ، فلما كان أواخر محرم سنة ثمان وسبعين قبض صاحب الترجمة على رئيسهم كاورحجي وقتله وأبطل تلك البدعة السيئة وصار لأهل حلب بذلك كمال الرفق والإحسان . وامتدحه أدباؤها بالقصائد البديعة ، فمن ذلك ما قاله الشهاب أحمد الورّاق :
أعرف البان أم نفح الورود * أطيب المسك أم أنفاس عود
أروض مر سجساج عليه * فتم بسره غب الورود
أم الأزهار أيقظها نسيم * فضاعت بالشذا بعد الرقود
ومنها :
ومن وفّى المعالي مهر مثل * له دانت على رغم الحسود
ومن يذكو أريج الخيم منه * زكا فعلا ووفى بالعهود
ومن يبغ المكارم لا يبالي * بما يوليه من كرم وجود
ومن هانت عليه النفس نالت * يداه ما يروم من الوجود
ومن يطع الإله ينل مراما * ويحرز ما يسر من المجيد