تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
الإدبار ، وقد عابهم من بني مطرون ، يدور أمرهم على الدّليل البركي « 1 » ، فأكذب اللّه دعوتهم ، بعد أن أركبوا الشيخ عليّا بن نصر ، ونصبوه تلقاء القلعة بباب البنود « 2 » ، ودعوا الناس إلى بيعته . وأخذ السلطان حذره ، وناصبهم القتال ، وأشاع العطا ، واستركب الجيش . وعمّر الأسوار ، فأخفق القصد ، وفرّ الدليل البركي ، وتقبّض على الرئيس المذكور ، وجعل اللّه العاقبة الحسنة للسلطان . وكان ممّا أمليته يومئذ بين يدي السلطان ، من الكلام المرسل ، ما هو نصه ، بعد الصّدر : وإلى هذا فممّا أفادته الفطر السليمة ، والحلم والقضاء بالشريعة ، والنّقل الشرعي والسّنن المرعي ، أنّ مغالب الحقّ مغلوب ، ومزاحم اللّه مهزوم ، ومكابر البرهان بالجهل موسوم ، ومرتع الغيّ مهجور ، وسيف العدوان مفلول ، وحظّ الشيطان موكوس ، وحزب السلطان منصور . ولا خفاء بنعمة اللّه علينا ، التي اطّردها في المواطن العديدة ؛ والهضبات البعيدة ، والشّبهات غير المبينة ، والظّلمات الكثيفة ، معلن بوفور الحظّ من رحمته ، وإبراز القداح في مجال كرامته ، والاختصاص بسيما اختياره ، فجعل العصمة ليلة الحادث علينا من دون مضجع أمانا ، ونهج لنا سبيل النّجاة بين يدي كسبه علينا ، وسخّر لنا ظهري الطّريف والطريق ، بعد أن فرّق لنا بحر الليل ، وأوضح لنا خفيّ المسلك ، وعبّد لنا عاصي الحزم ، ودمّث غمر الشّعراء « 3 » ، وأوطأنا صهوة المنعة ، وضرب وجوه الشّرذمة المتبعة ، بعد أن ركضوا قنيب البراذن البادئة ، من خزائن إهدائنا ، المتجمّلة بحلي ركبنا ؛ وتحمّلوا السلاح والرّياش المختار من أثير صلاتنا ، وأبهروا الأنفاس التي طال ما رفعها إيناسنا وأبلغها الريق تأميننا ، وصبّبوا العرق الذي أفضله طعامنا ، شرهين إلى دمنا ، المحظور بالكتاب والسّنّة ، المحوط بسياج البيعة ، المحصّن عنهم بتقديم النّعمة ، وحرمة الأب ومتعدّد الأذمّة ، فجعل اللّه بيننا وبينهم حاجزا ، وسدّ ليأجوجهم من المردة مانعا ، وانقلبوا يعضّون الأنامل الغضّة من سريط جفاننا ، ويقلّبون الأكفّ التي أجدبها الدّهر ، ترفيعا من المهن المترتّبة في خدمتنا ، قد حالهم صغار القدر ، وذلّ الخيبة ، وكبح اللّه جماعتهم عن التّنفق بتلك الوسيلة . واحتللنا قصبة وادي آش ، لا نملك إلّا أنفسنا ، لم يشبها غشّ الملّة ، ولا كياد الأمّة ، ولا دنّسها والحمد للّه عار الفاحشة ، ولا وسمها الشّوم في الولاية ، ولا
هامش
( 1 ) الدليل البركي : هو أحد وزراء سلطان غرناطة ، الغني بالله . ( 2 ) باب البنود : من أبواب غرناطة ، يفصله عن قصبة الحمراء نهر حدرّه ، وما يزال هذا الباب قائما حتى اليوم . راجع نهاية الأندلس للأستاذ محمد عبد اللّه عنان ( ص 21 ) ومملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر للدكتورة مريم قاسم طويل ( ص 294 ) . ( 3 ) الشّعراء : الأرض الكثيرة الشجر . محيط المحيط ( شعر ) .