تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إثارة الترغيب والتشويق ( ويليه زيارة بيت المقدس لابن تيمية ) — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
فلخوف هذه الخصال احترزوا عن القيام والمجاورة فيها ، وبعضهم من أصحاب القلوب الزاهدين الخاشعين المحتاطين في دين اللّه تعالى يعللون بعلل أخرى أن فيها خوف ارتكاب المحظورات والخطايا والذنوب إما الكبائر أو الصغائر مثل الاشتغال بالسمر وحكايات الدنيا في الطواف والمسجد وغير ذلك من الكبائر والصغائر ولكل واحد منهما نتيجة وخواص ، فمن خواص الكبائر : أن يتولد منها مقت اللّه تعالى وسخطه ، وإطفاء نور المعرفة بالكلية وزوال الولاية . ومن خواص الصغائر : أن يورث تقليل نور المعرفة وترقيقه لشرف تلك البقعة الشريفة . واعلم أن معصيته اللّه تعالى فاحشة حيث وجدت ؛ أما في حضرة اللّه تعالى وفي فناء بيته ومحل اختصاصه أفظع وأفحش ، وأن المعصية تتضاعف عقوبتها بالعلم ؛ إذ ليس عقاب من يعلم كعقاب من لا يعلم ؛ كما تتضاعف عقوبة المعصية بسبب شرف مكان الحرم وعظم حرمته . وأي شئ أعظم حرمه وأي شئ أعظم من الذنب في حوزته وحرمه . وروى أن بعض الصالحين من الأولياء أقام شهرا بمكة ما وضع جنبيه على الأرض أدبا واحتراما لها « 1 » . وروى أن محمد بن الجريري جاور بمكة سنة ثلاث وتسعين ومائتين ولم يتكلم ولم يستند إلى عمود ولا حائط ولم يمد رجليه ، فعبر أبو بكر الكتاني عليه ، وقال له : يا أبا محمد قدرت على هذا الاعتكاف ؟ فقال : علم اللّه صدق باطني فأعانني على ظاهري ، فأطرق الكتاني ومشى متفكرا ، فقال الجريري :
شكرتك لا إني أجازيك منعما * بشكر ولا كيما يقال له شكر واذكر أيامى لديك وحسنها * وآخر ما يبقى على الذاكر الذكر « 2 »
وقال السرى السقطي : من جالس الملوك بلا أدب فقد تعرض للقتل . وقال أبو علي الدقاق : ترك الأدب يوجب الطرد ، فمن أساء الأدب على
هامش
( 1 ) القرى ( ص : 660 ) . ( 2 ) مثير الغرام ( ص : 436 ) .