وفي سنة 1867 وهي السّنة الشهباء على حدّ تعبير الشيخ ابن أبي الضياف كما سلف .
القرن العصيب :
إن خصائص المجتمع التونسي الأساسية في العصر الحديث هي انقسامه إلى مجموعتين غير متوازنتي النموّ : من جهة أهل الحضر ، خاصّة في المناطق السّاحلية ومن جهة أخرى أهل الريف مع ما ينتج عن هذا التفاوت من استغلال وظلم وجور ثمّ إنّ الخاصيّة الثانية هي تفتّح البلاد التونسية على البحر . ولقد كان للقرصنة دور ضعف شيئا فشيئا عندما حجّرته أوروبا سنة 1815 .
فخير الدين عاش ردحا من هذا القرن العصيب الذي اتّسم بتغيّر التبادل الاقتصادي مع أوروبا وبغزو الرأسمالية وعملائها للمجتمع التونسي التقليدي كما لامس بحكم مسؤولياته الحكومية ( وزير للبحر وعضو المجلس الخاصّ للباي ورئيس المجلس الأكبر ) ما كانت تعانيه الأمّة التونسية حكومة وشعبا من جرّاء هذا الغزو الرأسمالي الأوروبي ، لا أدلّ على ذلك من معارضته لمبدإ الاقتراض من أوروبا ولانتصاب المحاكم القنصلية بالإيالة التونسية وكان هذا الموضوع الأخير من بين أغراض رحلاته إلى أوروبا .
لذا نريد أن نؤكّد على أنّ خير الدين في أقوم المسالك على الأقلّ يدعو إلى الاقتباس عن أوروبا المتحضّرة والمتمدّنة لا الإمبريالية والمتحفّزة للاستعمار .
أمّا على الصعيد الدّاخلي ، فلقد اتّسم هذا « القرن العصيب » بأبشع سمات الحكم المطلق وهي الاعدامات السياسية والعزل وسياسة الابتزاز الجبائي للمجموعتين : أهل الحضر وأهل الرّيف خاصّة ، ممّا جعل بعض « الأعيان » يحتمون بالأجانب .
ولقد رأينا في تحليلنا للمقدّمة أن مبدأ السياسة الشرعية كان الجسر الذي عبر بواسطته وسائر المصلحين بعده السبيل إلى الدّعوة إلى الاقتباس عن