وبما بيّنّاه من تنظيمات الدّولة العليّة السّياسيّة والعرفانيّة حصل لها من قوّة الشوكة وظهور النّمو في عمران ممالكها بالنّسبة لما كان قبل التّنظيمات ما لم يكن يظنّ حصوله في هذه المدّة القليلة . ولا يستطيع المنصف جحده ولا يجد المكابر سبيلا لإنكاره . وقد كان يمكنها الحصول على أكثر من ذلك لولا العوائق التي أعظمها إغراء بعض الدول الأجنبيّة لبعض رعايا الدّولة من غير الإسلام بالامتناع وعدم الرّضى ونحو ذلك ممّا أوضحنا أسبابه في المقدّمة .
هذا ما أمكن تحريره من تراتيب الدّولة العليّة على ما فيه من إجمال لأنّ الكتب التي لخّصنا منها هذا المختصر [ 112 ] أكثرها إفرنجيّة فلم نجد بها مزيد إيضاح لأحوال الممالك الإسلاميّة خصوصا ما يتعلّق بالمجابي والخرج والقوّة العسكريّة ولم نعثر الآن من الكتب الإسلامية « 94 » على ما يفيدنا إفادة شافية .
هامش
( 94 ) نعتقد أن خير الدّين هو الكاتب السياسي الأوّل الذي تحدّث عن الخلافة العثمانية في تأليف مطبوع باللّغة العربية سنة 1867 ولا نعلم أن أحدا غيره من المؤلّفين العرب - المسلمين ولج هذا الباب قبله ونشره عن طريق الطباعة ، عدا ما كان ينشر من نبذ تاريخية في جرائد ثلاث هي الوقائع المصرية بالقاهرية ( 1828 ) والرائد التونسي ( 1860 ) ومؤسّسه خير الدّين نفسه والجوائب بالآستانة ( 1861 ) ومؤسّسها ومحرّرها أحمد فارس الشدياق . وقليل هم المؤرّخون التونسيون الذين تحدّثوا عن الخلافة العثمانية في نطاق ما خلّفوه لنا من مخطوطات لم يطبع بعضها إلّا بعد سنة 1867 . أنظر عن هؤلاء وخاصّة عن حسين خوجة ، صاحب بشائر الإيمان بفتوحات آل عثمان ، أ . عبد السلام :Les Historiens Tunisiens , pp . 206 - 219.