تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأزهر في ألف عام — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
أن يأخذوا في العمل قبل حضوره . فكانوا ينتظرون وينتظرون ، وربما اضطرهم ذلك إلى بعض الضيق ، ولكنه كان يطلع عليهم بابتسامته الحلوة تلك ، فلا يكادون يرونه حتى يضحكوا له ، ولا يأخذون في عملهم إلا بعد دعابة لا تمل . وكان لهذه الأناة أثرها في كتابته ، فأنت لا تجد فيما يكتب معنى نافرا أو فجا لم يتم نضجه قبل أن يعرب عنه . وأنت لا تجد فيما يكتب لفظا نابيا عن موضعه ، أو كلمة قلقة في مكانها ، وإنما كان كلامه يجري هادئا مطمئنا كما يجري ماء الجدول النقي ، حتى حين يداعب صفحته النسيم وكنت أشبه له كتابته بعمل صاحب الجواهر : يستأني بها ويتأنق في صنعها لتخرج من يده جميلة رائعة تثير فيمن يراها المتعة والرضى والإعجاب . كان يتأنق في فنه كما كان يتأنق في حياته كلها ، وكما كان يتأنق في سيرته مع الناس جميعا ، سواء منهم من كان يألف ومن كان يجفو . فلست أعرف أن أحدا سخط عليه أو ضاق به أو شكا منه . كان راضي النفس ، يبعث الرضى في نفوس الناس حين يرونه وحين يسمعونه وحين يقرؤون له . واني لأذكر حديثا له ألقاه في مؤتمر من مؤتمرات المستشرقين في مدينة « ليدن » وكان المؤتمرون كثيرين ، وكانت أحاديثهم كثيرة متنوعة ، وكان رئيس الجلسة مضطرا إلى أن يقدر للمتحدثين عشرين دقيقة لا يعدوها أحد مهما يكن حديثه . وقد التزم المؤتمرون ذلك ولم يخالف عنه أحد منهم . فلما أخذ مصطفى في حديثه في صوته ذاك الهادىء العذب الرقيق أصغت إليه الآذان ، ثم صغت إليه القلوب ، ثم اتصلت به النفوس ، وكان يقطع حديثه بين حين وحين ويلتفت إلى الرئيس مبتسما كأنه يسأله : أيمضي في حديثه ! فيشير الرئيس إليه : أن نعم ، حتى إذا أتم حديثه كان قد جاوز الأربعين من الدقائق . لم يحس أحد أنه قد أطال ، وأخذ من الوقت أكثر مما كان ينبغي له . واقرأ هذا السفر الضخم الذي تختلف فيه الأحاديث والموضوعات