تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آثار البلاد واخبار العباد — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
وأشرف على ما فيها قهقه ضاحكا ونزل إليها ، فناديناه أن أخبرنا بما فيها وبما رأيته فلم يجبنا . فجعلت لمن يصعد ويأتيني بخبر ما فيها وخبر الرجل ألف دينار ، فانتدب رجل من حمير وأخذ الدنانير ثمّ صعد . فلمّا استوى على السور قهقه ضاحكا ثمّ نزل إليها ، فناديناه أن أخبرنا بما ترى فلم يجبنا . فصعد ثالث وكان حاله مثل حال الرجلين ، فامتنع أصحابي بعد ذلك من الصعود ، فلمّا أيست عنها رحلت نحو البحيرة وسرت مع سور المدينة ، فانتهيت إلى مكان من السور فيه كتابة بالحميرية فأمرت بانتساخها فكانت :
ليعلم المرء ذو العزّ المنيع ومن * يرجو الخلود وما حيّ بمخلود !
لو انّ حيّا ينال الخلد في مهل * لنال ذاك سليمان بن داود
سالت له العين عين القطر فائضة * فيه عطاء جزيل غير مصرود
وقال للجنّ أنشوا فيه لي أثرا * يبقى إلى الحشر لا يبلى ولا يودي
فصيّروه صفاحا ثمّ ميل به * إلى البناء بإحكام وتجويد
وأفرغوا القطر فوق السّور منحدرا * فصار صلبا شديدا مثل صيخود
وصبّ فيه كنوز الأرض قاطبة * وسوف تظهر يوما غير محدود
لم يبق من بعدها في الأرض سابغة * حتى تضمّن رمسا بطن أخدود
وصار في قعر بطن الأرض مضطجعا * مضمّنا بطوابيق الجلاميد
هذا ليعلم أنّ الملك منقطع * إلّا من اللّه ذي التقوى وذي الجود
قال : ثمّ سرت حتى وافيت البحيرة عند غروب الشمس ، فإذا هي مقدار ميل في ميل ، كثيرة الأمواج ، فإذا رجل قائم فوق الماء فناديناه : من أنت ؟ فقال : أنا رجل من الجنّ ! كان سليمان بن داود حبسه والذي في هذه البحيرة . فأتيته لأنظر ما حاله ، قلنا له : فما بالك قائما فوق الماء ؟ قال : سمعت صوتا فظننته صوت رجل يأتي هذه البحيرة في كلّ عام مرّة ، وهذا أوان مجيئه ، فيصلي