وهكذا ينطلق العارفون يتغنون بمحبوبهم وما لقوا ويلقون في طريقه من مكابدات ، وما يمارسونه من مجاهدات وتضيحيات ، وما ينعمون به من نوال وأعطيات .
فإن كان الواحد منهم - بحسب مزاجه وثقافته - عالما مفكرا يميل إلى التأمل والبحث جاء بيانه ووصفه لتلك التجارب في قالب فكرى تحليلي ، ينتمى إلى ما أطلقنا عليه : ( الفكر الصوفي ) . وإن كان فنانا بطبعه ، أديب النفس والقلم جاء إنتاجه ووصفه في صيغة فنية أدبية وحسن منه فيها النثر والنظم ، كما يقول ابن الفارض ، ومن هذا النوع الأخير تشكل الأدب الصوفي واستوت قامته فارعة بين فنون الأدب الإسلامي .
ب - وعامل آخر يستفز النفس المستعدة إلى الإبداع الفنى ، ألا وهو الحب الذي يضمخ التجربة الصوفية ، ويتغلغل في كافة مراحلها ومواقفها ، على المستوى الفردى والجماعي ، والحب العظيم هو منبع كل شعر عظيم في تاريخ الإنسانية . . . فكان لابد أن تنتهى التجربة الصوفية أو الحياة الروحية الإسلامية بعد ان نضجت فيها فكرة الحب الإلهى ، وهيمنت على حلقاتها وأجوائها ، وغلبت على أسلوب عملها وخطابها ، فكان لابد أن تنطلق إلى الشعر . . .
والمقصود التعبير الفنى المركز عن الحب ، ولو لم يكن نظما في القوالب المعروفة ، فلمسة الحب السحرية تعطى روح الشعر للنثر الفنى الذي يقوله محب صادق .
وهكذا يرتبط الزهد والحسب والشعر - كما يقول روجيه جارودى :
" يعرف أبو الحسن النوري الصوفيين بقوله : إنهم من لا يملكون شيئا ولا يملكهم شئ . . . وعبر هذا الزهد يصبح الحقيقي ممكنا ، وهو حب غير أنانى ، كله عطاء وتسليم . . .
الزهد ثم الحب وأخيرا الشعر .
لقد أنتجت الصوفية بعضا من أمهات المؤلفات الشعرية الشاملة ، وسوف أستشهد بواحدة منها فقط ، تمثل القمة في الشعر الصوفي أو بالأحرى ذروة الشعر في العالم ، ألا وهي أعمال الرومي ، إنه المثنوى لجلال
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 62
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٦٢