ومعراج يسفر عن ميلاد جديد ، إذ تعود نفس العارف بعد أن صقلت واغتسلت بالأنوار الإلهية ، وامتلأت بالمعرفة الشهودية ، لتمارس دورها في عالمنا هذا على هدى صاحب المعراج الكامل الجامع للنفس والبدن صلى اللّه عليه وسلم .
فالصوفى حين يصل إلى هذه المرحلة من سلوكه ، وتنضج تجربته الروحية وتبلغ غاياتها المنشودة ، لا يسعه إلا أن يتوقف عن الحركة ، أو يخلد إلى الهدوء والراحة ، أو يقنع بالصمت والسكون . . . كيف والأحشاء محترقة والقلب مشبوب ، والنفس بكل مشاعرها متعلقة بالمحبوب ، مستغرقة فيه . . . إنه لا يسعه عندئذ إلا البوح والتنفيس عن مذاقه ، وأن يصبحوا رفاقه ، على طريق الحب والحياة الحقيقة ، كما يهتف ابن الفارض كأنه مرغم :
إن كنت أظهر غيبا * هل عندكم تسليم
غيبا مصونا عليا * لم يبده تعليم
إن الغرام هو الحياة فمت به * حبا فحقك أن تموت وتعذرا
قل للذين تقدموا قبلي ومن * بعدى ومن أضحى لأشجانى يرى
عنى خذوا وبي اقتدوا ولى اسمعوا * وتحدثوا بصبابتى بين الورى
ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا * بر أرق من النسيم إذا سرى
وأباح طرفي نظرة أملتها * فغدوت معروفا وكنت منكرا
فدهشت بين جماله وجلاله * وغدا لسان الحال عنى مخبرا 3
وقد يسأله البعض أن يشرح ما به بلسان المقال ، بعد أن وشى به لسان الحال فيجيب فورا وكأنه يقول : أنا لها :
يقولون لي صفها فأنت بوصفها * خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ، ولطف ولا هواء * ونور ولا نار وروح ولا جسم
محاسن تهدى المادحين لوصفها * فيحسن فيها منهم النثر والنظم
على نفسه فليبك من ضاع عمره * وليس له فيها نصيب ولا سهم