المجد عند الإشهار ، قال : تفوح أرواح العلى في أخلاقهم عند التنزلات ، لقرب مشاهدة المنزل الذي يجمعهم ، والراكبان ، خاطران علويان مرّا به على حاله ، فسألهما الخبر عن المقام العالي الأنزه : هل روّضت قاعة الطبيعة ؟ وهل نزلت غيوث الحياة لساحتها ؟ فأنبتت ما يؤدي إلى البينونة من الكون ، والغيرة من ظهور الغير هنالك ، فأثبت له الحق الخاطر ، أن يكرمه على ما أخبر ، إلى أن نزل عليه روحه الخاص به ، الذي كنى عنه بالنفس ، فعقل عنهما ما جاءا به ، وأودعهما حديثه بلسان الحال ، من جري الدموع على مفارقة الأوطان والربوع .
قوله : أم هل أبيت ، أي ستري عن ظلام الغيب ؛ ودار عند كاظمة ، من كظم غيظه خلقا جميلا ، وسمار ذاك الحيّ سماري ، بالترداد بيني وبينهم بما يكون فيه علو مقامي وارتفاع شأني .
وسماعنا على قول كثير عزة :
لقد حلفت جهدا بما حلفت له * قريش غداة المأزمين وصلّت
وكانت لقطع الحبل بيني وبينها * كناذرة نذرا فأوفت وحلّت
فقلت لها يا عزّ كل مصيبة * إذا وطنت يوما لها النفس ذلّت
السماع في ذلك : المأزمين ، المضيق الذي بين عالم الغيب والشهادة ، هنالك تنحر النفوس عن أغراضها ، تنحرها حال الجمعية التي كنى بها بقريش ، ( التقريش : التضييق ) .
وصلّت : دعت إلى مقامها . وناذرة : هي الحالفة . وقطع الحبل بيننا : انفصالها عن ظلمة هذا الهيكل لما تقاسي فيه من ذل الحجاب ، ولولا قوتها على الذل - فيما يصيبها من المقام الأعز الأحمى - لهلكت رأسا واحدا ، ولكن الشيء لا يهلك عن حقيقته ، فالذل لها ذاتي ، فإن الإمكان افتقار وعجز محض ، فالذل لها وصف لازم ، وهو في غير ذلك المقام بالعرض .
وسماعنا على قول ابن الدمينة :
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد * لقد زادني مسراك وجدا على وجد
لئن هتفت ورقاء في رونق الضحى * على فنن غض النبات من الرند
بكيت كما يبكي الوليد ولم أكن * جليدا وأبديت الذي لم يكن يبدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنا * يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا * على أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع * إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ