والهيبة ، فهو تعالى المتجلي في كل وجه ، والمطلوب في كل آية ، والمنظور إليه بكل عين ، والمعبود في كل معبود « 1 » ، والمقصود في الغيب والشهود ، ولا يفقده أحد من خلقه بفطرته وجبلته ، فجميع العالم له مصل ، وإليه ساجد ، وبحمده مسبح ، فالألسنة به ناطقة ، والقلوب به هائمة وعاشقة ، والألباب فيه حائرة ، يروم العارفون أن يفصلوه من العالم فلا يقدرون ، ويرومون أن يجعلوه عين العالم فلا يتحقق لهم ذلك ، فهم يعجزون ، فتكلّ أفهامهم ، وتتحير عقولهم ، وتتناقض عنه في التعبير ألسنتهم ، فلا تستقر لهم فيه قدم ، ولا تتضح لهم إليه طريق أمم ، لأنهم يشهدونه عين الآية والطريق « 2 » ، فتحول هذه المشاهدة بينهم وبين طلب غاية الطريق ، إذ لا تسلك الطريق إلا إلى غاياتها ، والمقصود معهم وهو الرفيق ، فلا سالك ولا مسلوك ، فتذهب الإشارات وليست سواه ، وتطيح العبارات وما هي إلا إياه ، فلا ينكر على العارف ما يهيم فيه من العالم ، وما يتوهمه من المعالم ، ولولا أن هذا الأمر كما ذكرناه ، ما أحب نبي ولا رسول أهلا ولا ولدا ، ولا آثر على أحد أحدا .
جميل ولا يهوى جليّ ولا يرى * وتشهده الألباب من حيث لا تدري
ولا تدرك الأبصار منه سوى الذي * تنزهه عنه عقول ذوي الأمر
فإن قلت محجوب فلست بكاذب * وإن قلت مشهود فذاك الذي أدري
فما ثم محبوب سواه وإنما * سليمى وليلى والزيانب للستر « 3 »
فهن ستور مسدلات وقد أتى * بذلك نظم العاشقين مع النثر
كمجنون ليلى والذي كان قبله * كبشر وهند ضاق من ذكرهم صدري
( ف ح 2 / 542 - ح 3 / 449 - ح 2 / 542 )
وأصحاب الوله والمحبون ، أعظم لذة وأقوى محبة في جناب اللّه من حب الجنس ، فإن الصورة الإلهية أتم في العبد من مماثلة الجنس ، لأنه لا يتمكن للجنس أن يكون سمعك وبصرك ، بل يكون غايته أن يكون مسموعك ومدركك - اسم مفعول - وإذا كان العبد يدرك
هامش
( 1 ) أي رتبة الألوهية هي المعبودة في كل ما عبد .
( 2 )سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّالآية .
( 3 ) راجع حب الخيال .