الحب ، ما أحب أحد غير خالقه ، ولكن احتجب عنه تعالى بحب زينب وسعاد وهند وليلى والدنيا والدرهم والجاه وكل محبوب في العالم ، فأفنت الشعراء كلامها في الموجودات وهم لا يعلمون ، والعارفون لم يسمعوا شعرا ولا لغزا ولا مديحا ولا تغزلا إلا فيه من خلف حجاب الصورة ، وسبب ذلك الغيرة الإلهية أن يحبّ سواه ، فإن الحب سببه الجمال وهو له ، لأن الجمال محبوب لذاته ، واللّه جميل يحب الجمال ، فيحب نفسه .
( ف ح 2 / 326 - ح 4 / 260 - ح 2 / 326 )
فمن ليلى ومن لبنى * ومن هند ومن بثنة
ومن قيس ومن بشر * أليسوا كلهم عينه
لقد أصبحت مشغوفا * به إذ كان لي كونه
فكل الخلق محبوبي * فأين مهيمي أينه
فمن يبحث على قولي * يجد في بينه بينه
( ف ح 3 / 449 )
فما هيّم اللّه تعالى بشرا وجميلا وابن الدريج ، وابتلاهم بحب أمثالهم ، هند وبثينة ولبنى ، إلا ليقيم بهم الحجة على من ادعى محبته ، ولم يهم في حبه هيمان هؤلاء ، حين ذهب الحب بعقولهم وأفناهم عنهم ، لمشاهدات شواهد محبوبهم في خيالهم ، فأحرى من يزعم أنه يحب من هو سمعه وبصره ، ومن يتقرب إليه أكثر من تقربه ضعفا بقوله تعالى : « من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا » ( حديث قدسي ) . ( ذخائر الأعلاق )
التجلي الإلهي في حضرة الخيال :
اعلم أن الحق له تجليان في عالم الشهادة : أحدهما التجلي الذاتي ، وهو كالبرق في نوره وسرعة زواله ، يذهب بالأبصار لا يكاد يتحقق ، فلا يحصل ما يضبطه علم أو عقل أو وهم أو خيال ، فلا يحصل في المشهد الذاتي علم في نفس المشاهد ، لأنه تجلى في غير صورة مادية ، فلم يكن للخيال ما يضبطه به ، فلم يكن للعقل ما يعقله ، إذ لا يدخل تحت كيف ولا كم ولا حال ولا نعت ولا وصف ، فالمشهد الذاتي لا ينتج شيئا في قلب العبد ، لأنه لا ينضبط ولا يحصل منه سوى شهوده ، فإنه تعالى عن أن يحصره كون أصلا ، بخلاف التجلي في الصورة في عالم التمثيل ، فإن الرائي يضبط صورة ما تجلى له ويعبر عنها ، فإن العلم بالذات