الملك إليه ، والمحب لا يخلو إما أن تغلب الطبيعة عليه ، فيكون مظلم الهيكل ، فيحب الحق في الخلق ، فيدرج النور في الظلمة ، اعتمادا على الأصل في قوله :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ
، والنهار نور ، فعلم أنهما متجاوران ، وإن كانا ضدين : وأن أحدهما يجوز أن يكون مبطونا في الآخر ، فما يضرني أن أحب الحق في الخلق ، لأجمع بين الأمرين ، وأما إن غلب عليه الروح ، فيكون منور الهيكل ، فيحب الخلق في الحق لقوله صلى اللّه عليه وسلم :
« أحبوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه » فأحبه في النعم عن أمره ، فمشهوده الحق ، ومهما وقعت الغيرة بين الضدين ، ورأى كل ضد أن مطلوبه ربما يتخلص لضده ، يقول : « اقتله حتى لا يظفر به ضدي دوني » فإن قتلته الطبيعة مات وهو محب للأكوان ، وإن قتله الروح كان شهيدا حيا عند ربه يرزق ، فهو مقتول بكل حال ، كل محب في العالم هكذا ، وإن كان لا بشعر بذلك .
حدّث الشيخ أبونا * عن أبيه عن قتادة
عن عطاء بن يسار * عن سعيد بن عباده
أن من مات محبا * فله أجر الشهادة
ثم قد جاء بأخرى * مثل هذا وزيادة
عن فضيل بن عياض * وهو من أهل الزيادة
أن من مات خليا * كانت النار مهاده
قال المحب :
محب بكت عيناه من حب قاتل * فيا قاتلا يبكي عليه قتيل
خليلي جفاني كان روحي لروحه * خليلا وهل يجفو الخليل خليل
( ف ح 2 / 350 - ديوان / 419 - مسامرات ح 2 )
المحب تالف :
وذلك أنه خلقه اللّه من اسمه الظاهر والباطن ، فجعله عالم غيب وشهادة ، وخلق له عقلا يفرق به بين حكم الاسمين ، لإقامة الوزن بين العالمين في ذاته ، ثم تجلى له في اسمه
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
فحيره ، فلم يعطه هذا التجلي إقامة الوزن ولا سيما وقد قال له :
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
، فتلف من حيث لم ير حالا توجب العدل وإقامة الوزن ، فخرج عن حد التكليف ، إذ لا يكلف إلا عاقل لما تقيد بعقله ، فهذا نعت المحب بأنه تالف .
( ف ح 2 / 350 )