تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
الأخلاق تقصر دراساتها على السلوك الذي يصدر عن إنسان يتمتع بالقدرة على التعقل وحرية الاختيار أدركنا أنها تستبعد من دراساتها سلوك مثل هذا الفاني عن نفسه وعن كل ما حوله . وفي تصور الصوفية للإرادة والحرية ما يؤكد المعنى الذي تستهدفه ، فالإرادة عندهم بدء الطريق إلى اللّه ، والمريد ( وهو صاحب الإرادة ) هو في عرفهم من لا إرادة له ! لأن من لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريدا ! وأول مقام المريد إرادة الحق بإسقاط إرادته « 1 » أما الحرية فتكون في التخلص من رق المخلوقات حتى لا يسترق السالك عاجل دنيا ، ولا حاصل هوى ، ولا آجل منى ، ولا سؤل ولا قصد ولا أرب ولاحظ ، وحقيقة الحرية تكون في كمال العبودية ، ومن صدق في عبوديته للّه تحرر من رق الأغيار وكانت آية حريته أن يعزف عن الدنيا حتى يستوى عنده حجرها وذهبها « 2 » وواضح من هذا كله أن مثل هذا السالك الذي فنى عن نفسه وافتقد وعيه وسلب إرادته ، وغاب عن العالم حوله ، لا يميز بين خير وشر ، ولا يحسن إصدار حكم أخلاقي على فعل إنساني ، ولا يصلح للقيام بإلزام أخلاقي وبالتالي ترتفع مسئوليته الأخلاقية عن كل فعل يأتيه . فإذا كان ابن عربى قد زاد على وحدة الشهود السالفة الذكر نظريته في وحدة الوجود ، فلم يقنع بقوله : لا أرى غير اللّه ، بل زاد فقال لا موجود إلا اللّه ، وصرح بأن الفناء حال يتحقق فيها السالك بوحدته الذاتية مع اللّه ، لأنه يموت عن حواسه وعقله فتستيقظ روحه وتدرك حقيقة الوجود فينكشف لها الحق ويزول كل فرق بين الواحد والكثير ، بين اللّه والعالم ، إذا كان ابن عربى قد زاد هذا على وحدة الشهود عند سابقيه من الصوفية ، فإنه من وجهة النظر الأخلاقية لم يزد شيئا ذا بال ، إلا إذا تركنا المبادئ وهبطنا إلى الحياة اليومية والواجبات الجزئية ، عندئذ يجوز أن نقول إن الفناء حال
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية ، ص 120 و 122 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 130 - 31 .