القيامة معهم من الحسنات مثل جبال تهامة ، حتى إذا جيء بهم جعل اللّه أعمالهم هباء . . . " « 1 » « 2 » .
ويدفع ابن عربي عن نفسه تهمة العداء مع الفقهاء وذلك لحرصه على الفقه باعتباره ضرورة من ضرورات الطريق ، يقول مخاطبا من كتب له هذه الرسالة :
" فإياك يا أخي - عافاك اللّه من ظن السوء - أن تظن أني أذم الفقهاء من أجل أنهم فقهاء أو لنقلهم الفقه ، لا ينبغي أن يظن هذا بمسلم ، وإنّ شرف الفقه وعلم الشرع لا خفاء به ، ولكن أذمّ من الفقهاء الصنف الذي تكالب على الدنيا وطلب الفقه للرياء والسمعة ، وابتغى به نظر الناس . . . " « 3 » .
ويتابع موقفه تجاه الصوفية مينا أنواعهم وذامّا لفريق منهم ممن خرجوا عن الروح الصوفية فيقول : " كما أني ذممت الصوفية في كتابي هذا ، ولم أرد به الصادقين ، وإنما أعني الصنف الذي تزيّا بزيّهم عند الناس وباطنه بخلاف ذلك " . ويقول : " وكذلك ذمّي للصوفية ، أذم هذا الصنف الذي ذكرت ، فإن الحلولية والإباحية وغيرهم في هذا الطريق ظهروا وتظاهروا واتصفوا ، فهم قرناء الشيطان وخلفاء الخسراء " « 4 » .
كذلك الأمر بالنسبة للصالحين من المشايخ والإخوان فقد أبان أحوالهم فقال : " لو دوّنت لك أحوالهم وسطرت كما سطرت أحوال من تقدم لرأيت الحال الحال والعين العين في الأعمال والجد والإشارات وصحة القصد . . . " « 5 » .
أمام هذه الشخصية الفذّة لابن عربي ، يمكن أن ندرك مدى الأحداث الهامة في حياته التي لم تخل من حيوية دافقة وحماس علمي بالغ وإنتاج خصب وفير في كل المعارف الصوفية التي قوبلت أحيانا بالإنكار والمعارضة ، ولقد رأينا لونا منها في
هامش
( 1 ) ابن عربي ، رسالة روح القدس ، ص . ص 34 - 35 .
( 2 ) الحديث : يقول " لأعلمنّ أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها اللّه عز وجل هباء منثورا " سنن ابن ماجة رقم 4235 .
( 3 ) ابن عربي ، الدرة الفاخرة في ذكر من انتفعت به في طريق الآخرة ، ص 14 .
( 4 ) ابن عربي ، المصدر السابق ، ص . ص 115 - 116 .
( 5 ) المصدر السابق ، ص 88 .