تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي — صفحة 655

مساهمون:

ص٦٥٥
الجملة " بإنّ " فأتى بها مؤكدة ثابتة وذلك لأمرين : أن كل كلام يتردد فيه ذهن السامع يجب التأكيد فيه ، وكل كلام ينكره السامع يجب التأكيد فيه ، وما دفعه إلى هذا التأكيد سوى تجمّع الأضداد في ذات الحق فيقول : " لما كان اعتبار البطون والظهور بالوحدة يحصل فيه للعقل تردد هو استيفاؤه كيف يكون الأمر باطنه ظاهره ، وظاهره باطنه وما فائدة التقسيم بالظاهر والباطن فيه . فللنفس في هذه المسألة إما تردد وإما إنكار ، فلهذا أكد الحق بلفظة " إنّ " فقال لموسى : " إنه " يعني أن الأحدية الباطنة المشار إليها بالهويّة ، هي الإنيّة الظاهرة المشار إليها بلفظة " أنا " فلا تزعم أن بينهما تغايرا أو انفصالا أو انفكاكا بوجه . ثم فسّر الأمر بالبدلية وهو العلم الذاتي ، أعني اسم " اللّه " إشارة إلى ما تقتضيه الألوهية من الجمع والشمول ، لأنه لما قال : إن بطونه وغيبه عين ظهوره وشهادته ، نبّه على أن ذلك من حقيقة ما هو عليه اللّه ، فإن الألوهية في نفسها تقتضي شمول النقيضين وجمع الضدين بحكم الأحدية وعدم التغاير في نفس حصول المغايرة " « 1 » . إذن فإنيّة الحق بهذا المعنى هي تعبير صريح متمثل في قوله :
لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
. ويعني بها أن الإلهية المعبودة ليست إلّا " أنا " لأن إنيّة الحق ظاهرة في كل ما يعبد ، فالإلهية المعبودة ليست إلا الحق سبحانه وتعالى كما يراه الجيلي ، ولذلك أشار إلى معنى ذلك في إثبات إنيّة الحق بقوله :
لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
أي ما ثمّ إلا أنا . فمن هنا أثبت الحق لهم لفظة الإلهية ، فما سماها تسمية مجازية ، بل تسمية حقيقية ، وغاية الحق من وراء ذلك إنما أراد أن يبين لهم أن تلك الإلهية مظاهر ، وأن حكم الألوهية فيهم حقيقة ، وأنهم ما عبدوا في جميع ما عبدوه إلا هو ، فقال " لا إله إلّا أنا " . وقد أشار الجيلي إلى إثبات إنيّة الحق بقوله :
لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
أي ما ثمّ إلّا أنا ، وكل ما أطلقوه عليه اسم الإله فهو أنا ، بعد ما أعلمه أنّ " أنا عين هو " المشار إلى مرتبته بالاسم " اللّه " فاعبدني يا موسى من حيث هذه الإنيّة الجامعة لجميع المظاهر التي هي عين الهويّة . فهذا عناية منه سبحانه وتعالى بنبيه موسى ، وعنايته به لئلا يعبده من جهة دون جهة أخرى فيفوته الحق من الجهة التي لم يعبده فيها فيضلّ عنه ، . . . فيطلب بعد هذا أن يعبده حق عبادته ، وهو التحقق بحقائق الأسماء والصفات ، لأنه إذا عبده بتلك العبادة علم
هامش
( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 68 .