تتضمن كل الحقائق الإلهية ، ولكنها تعبر عن كمون هذه الحقائق وغيبوبيتها وليس عن ظهورها الكامل . لكن ما هو حكم التنزل الثالث المعروف بالإنيّة باعتباره آخر التنزلات الذاتية في حركتها للخروج عن مطلقيتها ؟
- الإنيّة :
تعتبر الإنيّة ثالث المراتب في التنزلات عن الذات المطلقة ، إذ أن الوجود المطلق في حركته يصدر عنه مرتبة أنزل من درجة الأحدية والهويّة ، هي مرتبة الإنيّة ، فلها الشمول لظاهر الحق وباطنه ، ولذلك فهي ليست بمرتبة الأحدية الصرفة ، ولا الهويّة المشار بها إلى غيب الأحدية أو الذات فقط .
ويميز الجيلي في تعيينه لمرتبة الإنيّة بين إنيّة الحق وإنيّة العبد ، إذ لا يمكن للعبد إدراك إنيّة الحق إلّا بعد تجرده من إنيّته لما يخالطها من المادة ، وقد حدد مفهوم الإنيّة من حيث هي إنيّة الحق بقوله : " إنيّة الحق تحدّيه بما هو له ، فهي إشارة إلى ظاهر الحق تعالى باعتبار شمول ظهوره لبطونه . قال اللّه تعالى :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
« 1 » " « 2 » .
ويظهرنا الجيلي على طبيعة هذه الإنيّة بمقارنتها بالهويّة ومدى نسبتها إليها ، كما يعمد إلى إظهار مدى العلاقة بين هويّة الحق وإنيّته إذ أن وحدة الحق تجمع بين هويّته وإنيّته ، كما أنها قائمة بين وجهي الحقيقة الوجودية أي بين هويّة الحق وهويّة العبد ، وإنيّة الحق وإنيّة العبد ، " فالهويّة المشار إليها بلفظة " هو " هي عين الإنيّة المشار إليها بلفظة " أنا " فكانت الهويّة معقولة في الإنيّة ، وهذا معنى قولنا : إن ظاهر الحق عين باطنه ، وباطنه عين ظاهره ، لا أنه باطن من جهة وظاهر من جهة أخرى " « 3 » .
ويؤكد الجيلي على ما أورده بشأن إنيّة الحق مستندا إلى قوله تعالى : " بإنّ " مخاطبا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه
وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
« 4 » فيبين كيف أكّد الحق تعالى
هامش
( 1 ) سورة طه ، الآية : 14 ك .
( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 68 ، ( صبيح ) ، ص 59 .
( 3 ) المصدر السابق ، ص 68 .
( 4 ) سورة القصص ، الآية : 70 .